قهر السلطة وخيانة الإعلام

عندما تتبول السلطات على الشعوب يأتي دور الإعلام المزيف التقليدي الذي يحارب الصحافة الحرة ليقنع الشعب أنها تمطر، ويتبعهم شيوخ البلاط بدورهم ليقولوا إنه ماء طهور. بهذه الكلمات يجسد الرفيق جيفارا تردي الوعي الإنساني المأسور بين قمع السلطة وخيانة الإعلام، فالسلطات لا تكتفي بإذلال الشعوب وقهرها بل تستعين بالإعلام لتحويل هذا القهر إلى وهم يغرق الجماهير في مستنقع الزيف حيث تقدم المأساة في صورة نعمة، فيصادر العقل ويغتال التمييز بين الحق والباطل. إنها مأساة مزدوجة، قهر مادي وتشويه معنوي يغرق الإنسان في وهم لا يجد منه فكاك.
في المغرب، تتوزع أدوار السلطة بين مكونات الحكومة بطريقة تكشف عن هندسة دقيقة للسيطرة. هناك من أوكلت إليه مهمة التحكم في المال العام، حيث تُفتح أبواب القطاعات الحيوية من صحة وأدوية و محروقات إلى فراقشية المواشي واللحوم أمام مصالح ضيقة، فيُعاد إنتاج نفس النخب الاقتصادية المرتبطة بالحزب الحاكم، لتستمر دورة الفساد وكأنها قدر لا مفر منه.
وفي جانب آخر، يظهر من يتولى مهمة التشريع، لكن لا لتوسيع الحريات أو حماية المواطن، بل لتقييد المجتمع بقوانين تُفصَّل على مقاس المفسدين السابقين. القوانين هنا تتحول إلى جدران عالية تحمي أصحاب الامتيازات وتمنع أي محاولة للمحاسبة، رغم اعتراض المحامين والهيئات الحقوقية. إنها سلطة تستعمل النصوص القانونية كسلاح لإدامة القهر بدل أن تكون أداة للعدالة.
أما الركيزة الثالثة، فهي خطاب الأخلاق الذي يُسكب على الجماهير كجرعة مهدئة. وعود بالاستقرار، دعوات إلى القيم، كلمات مطمئنة تُبعد الناس عن التفكير في جوهر الأزمة. هذا الخطاب لا يهدف إلى الإصلاح، بل إلى إخماد الغضب الشعبي وإبقاء المواطن في حالة سبات، يظن أن الأمور تحت السيطرة بينما الواقع يزداد سوءاً.
وفي قلب هذه الصورة انفجرت فضيحة لجنة الأخلاقيات للصحافة المغربية، حين تحول الضمير المفترض للمهنة إلى أداة لتصفية الحسابات وتزييف الوعي. تسريب فيديو من داخل اللجنة كشف لغة غير لائقة وممارسات مثيرة للجدل، من سب وقذف بحق صحافيين ومحامين إلى شبهات بالتأثير على القضاء، مما فجّر أزمة ثقة غير مسبوقة في المجلس الوطني للصحافة وأثار جدلاً واسعاً حول مستقبل التنظيم الذاتي للإعلام. هذه الفضيحة ليست مجرد حادثة معزولة، بل هي انعكاس مصغر لما يجري على مستوى الدولة: المال يُنهب، القانون يُستغل، والأخلاق تُستعمل كغطاء. الإعلام نفسه يصبح جزءاً من آلة السلطة، لا ضميراً لها، فينعكس القهر المادي والتشويه المعنوي في صورة فضيحة أخلاقية تفضح المنظومة كلها.
عبدالله البرغوثي

