تنمية و استثمار

عندما يجف البحر: انهيار الثروة السمكية بالمغرب.. من الوفرة إلى الاستنزاف في ظل صمت المتواطئين

 حين يختل ميزان تدبير المصايد بالمغرب

يقول المثل العربي: “ما هكذا تُورَدُ الإبل”.
أي إن حسن التدبير لا يكون بالتردد بين قرار ونقيضه، بل ببوصلة واضحة، وشجاعة في التشخيص، وثبات في الاختيار.

وبكل تجرد، يمكن القول اليوم: لقد فشلنا في تدبير الثروة السمكية بالمغرب.

فبعد عقود من الوفرة التي جعلت المغرب وجهة للاستثمارات العالمية، وبعد مخططات كبرى من قبيل “أليوتيس” التي كلفت المليارات، وبعد تقارير علمية رسمية تحدثت عن “مخزون مريح”، نجد أنفسنا أمام واقع مختلف تمامًا.
المصايد تتراجع من الشمال إلى الجنوب.
السردين، الذي كان غذاء الفقراء، صار سلعة مرتفعة الثمن.
والبحارة، الذين عاشوا من كدهم في البحر، أصبح كثير منهم يواجه البطالة والهشاشة.

أما الثروة التي كان يفترض أن تُصان للأجيال المقبلة، فقد جرى استنزافها تحت ضغط المصالح الضيقة، وضعف الحكامة، وغياب الشفافية.

هذا النص يستعرض، استنادًا إلى المعطيات الرسمية والمؤشرات الميدانية، قصة الانهيار، ومسؤولياته المتراكمة، وكيف وصل قطاع استراتيجي إلى ما يشبه أزمة بيئية واقتصادية واجتماعية.

الانهيار بالأرقام: من خطاب الوفرة إلى واقع الاستنزاف

خلال السنوات الأخيرة، قدمت تقارير رسمية صورة مطمئنة عن وضع المخزون السمكي.
وكانت هذه الصورة تُستعمل لتسويق القطاع وجذب الاستثمارات، وإعطاء الانطباع بأن المغرب يمتلك قاعدة سمكية قوية ومستقرة.

لكن الواقع الميداني كان يرسل إشارات معاكسة:

  • تراجع واضح في المصطادات، خاصة الأسماك السطحية الصغيرة وعلى رأسها السردين.

  • تدهور في الجودة والحجم، مع صِغر أحجام الأسماك المصطادة.

  • ارتفاع كلفة الرحلات البحرية، بسبب اضطرار البواخر للإبحار لمسافات أبعد بحثًا عن تجمعات سمكية.

  • ارتفاع الأسعار داخليًا، حيث انتقل السردين من مادة شعبية إلى سلعة تثقل كاهل الأسر.

وإذا كانت المؤشرات الميدانية كافية لدق ناقوس الخطر، فإن تقارير الرقابة العمومية عززت هذا الإنذار.
فقد أكدت خلاصات رسمية أن القطاع يعاني ضغطًا غير مستدام على المخزونات، وأن الحكامة تعاني اختلالات عميقة.

المشكلة لم تعد تخص صنفًا واحدًا فقط.
الإنذار يهم المنظومة كلها: الأسماك السطحية، الرخويات، والقشريات.
أي أننا أمام أزمة بنيوية، لا مجرد تراجع موسمي.

مخطط “أليوتيس”: طموح كبير ونتائج أقل من الوعود

عندما أُطلق مخطط أليوتيس سنة 2009، قُدِّم باعتباره مشروعًا استراتيجيًا لتحديث القطاع.
كان الهدف المعلن واضحًا:
تأهيل الصيد البحري، رفع القيمة المضافة، تعزيز الحضور الدولي، وتحسين استهلاك المغاربة للسمك.

لكن بعد سنوات من التنفيذ، ظهرت أسئلة صعبة حول الحصيلة الفعلية.

1) اختلالات في الحكامة وتتبع الإنجاز

من أبرز الملاحظات التي أثيرت في النقاش العمومي والرقابي:
ضعف الربط بين الإنفاق والنتائج.
بمعنى آخر، تم صرف اعتمادات مهمة، لكن دون مؤشرات دقيقة تقيس الأثر الحقيقي على المخزون، وعلى دخل البحارة، وعلى السوق الداخلية.

هذا النوع من التدبير يخلق مشكلة كبيرة.
فحين تغيب المؤشرات الدقيقة، يصبح من السهل الحديث عن “إنجازات” عامة، دون قدرة حقيقية على التحقق من جدواها.

2) أهداف لم تتحقق كما كان متوقعًا

رغم الخطاب الطموح، برزت مفارقات واضحة:

  • الحضور في الأسواق الدولية لم يتطور بالوتيرة الموعودة.

  • استهلاك السمك داخل المغرب ظل ضعيفًا مقارنة بالمعدلات العالمية.

  • البنية التحتية في عدد من الموانئ ظلت تعاني الاكتظاظ والفوضى وضعف المراقبة.

وهذا يعني أن التحديث، في حالات كثيرة، بقي جزئيًا أو غير متوازن.
تم الاستثمار في أجزاء من السلسلة، بينما ظلت أجزاء أخرى تعاني أعطابًا هيكلية.

3) التقييم المؤجل أو غير الكافي

أي مخطط وطني بهذا الحجم يحتاج إلى تقييم دوري صارم.
ليس فقط لعرض المصاريف، بل لقياس النتائج الفعلية:

  • هل تحسن المخزون؟

  • هل تحسنت أوضاع البحارة؟

  • هل انخفضت المضاربات؟

  • هل ارتفع استهلاك الأسر المغربية من السمك؟

غياب هذا النوع من التقييم الموضوعي يفتح الباب أمام استمرار الأخطاء نفسها، ويحوّل التخطيط إلى واجهة أكثر منه أداة إصلاح.

من المستفيد؟ سؤال الريع الذي لا يريد أحد مواجهته

في الأوساط المهنية، يتكرر سؤال واحد بإلحاح: من المستفيد من هذا الوضع؟

فبدل أن تتحول الثروة السمكية إلى رافعة للأمن الغذائي والتنمية المحلية، يرى كثيرون أنها صارت مجالًا تتداخل فيه المصالح والامتيازات، وتتحكم فيه فئات محددة أكثر من غيرها.

وتظهر مظاهر ذلك في عدة مستويات:

  • توجيه جزء مهم من المنتوج نحو التصدير، بينما السوق الداخلية تعاني ارتفاع الأسعار.

  • الاستفادة غير المتوازنة من الدعم والتحفيزات.

  • استمرار قنوات تسويق غير منظمة تضعف التنافس النزيه.

  • تراخي المراقبة في بعض الحلقات، بما يسمح بتنامي ممارسات غير قانونية.

المشكل هنا ليس في الاستثمار أو التصدير بحد ذاتهما.
على العكس، كلاهما ضروري.
لكن الإشكال يبدأ حين يصبح الربح السريع أهم من الاستدامة، وحين يغيب التوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة الوطنية.

الإدارة بين العجز والتواطؤ: أين الخلل؟

حين تتكرر المؤشرات السلبية لسنوات، لا يعود ممكنًا الحديث عن “أخطاء معزولة”.
نكون أمام خلل في منظومة التدبير.

الانتقادات الموجهة للإدارة الوصية تتلخص في نقاط أساسية:

  • تذبذب القرارات بدل اعتماد رؤية مستقرة وواضحة.

  • ضعف الشفافية في نشر المعطيات العلمية والبيولوجية.

  • غياب التدبير التشاركي مع المهنيين والفاعلين الميدانيين.

  • التأخر في الاستجابة إلى أن تتفاقم الأزمة.

وهنا تبرز معضلة حقيقية:
إذا كانت الإدارة تتوفر على المعطيات، فلماذا تأخرت الإجراءات؟
وإذا كانت لا تتوفر على المعطيات الدقيقة، فهذه مشكلة أخطر، لأنها تعني أن القطاع يُدار دون رؤية علمية كافية.

في الحالتين، النتيجة واحدة: المخزون يدفع الثمن.

البحث العلمي: بين دور الإنذار ومحدودية التأثير

في الأزمات البيئية والموارد الطبيعية، يفترض أن يكون البحث العلمي هو خط الدفاع الأول.
وظيفته ليست فقط إنتاج التقارير، بل أيضًا إطلاق الإنذار المبكر، وتوجيه القرار العمومي، وربط العلم بالواقع الميداني.

لكن الإشكال المطروح في قطاع الصيد هو وجود فجوة يشعر بها المهنيون بين:

  • ما ترصده النماذج والدراسات،

  • وما يلمسونه يوميًا في البحر.

البحارة والربابنة يرون تغيّر الأحجام، وتراجع التجمعات السمكية، وارتفاع كلفة الصيد.
وحين لا يجدون صدى واضحًا لذلك في السياسات والقرارات، تتعمق أزمة الثقة.

المطلوب ليس وضع العلم في مواجهة الخبرة الميدانية.
المطلوب هو دمجهما.
فالعلم يقدّم المؤشرات والتحليل، والمهنيون يقدّمون المعرفة اليومية المتراكمة.
وبدون هذا التكامل، يصبح القرار ناقصًا.

القرارات الارتجالية: حين يتحول التدبير إلى ردّ فعل

ما يزيد أزمة القطاع تعقيدًا هو الإحساس العام بوجود تردد وارتباك في القرار.
مرة يتم الحديث عن راحة بيولوجية، ثم عن تقليصها، ثم عن تشديد الإجراءات.
هذا الانتقال السريع بين قرارات متناقضة يطرح أسئلة مشروعة:

  • ما الأساس العلمي لكل قرار؟

  • لماذا لا تُشرح المعطيات للرأي العام والمهنيين؟

  • كيف يُطلب من الفاعلين الثقة في قرارات لا تُعرض خلفياتها بوضوح؟

الراحة البيولوجية ليست إجراءً شكليًا.
هي أداة حيوية لإنقاذ المخزون وضمان تجدد الأنواع.
وأي تردد في هذا الملف قد تكون كلفته باهظة جدًا، لأن البحر لا ينتظر إيقاع الإدارة ولا الحسابات الظرفية.

المسؤولية متراكمة: الجميع ساهم، بدرجات مختلفة

الحقيقة الصعبة هي أن الانهيار لا يمكن اختزاله في طرف واحد.
المسؤولية متراكمة، وتتوزع بدرجات مختلفة بين عدة فاعلين:

1) جزء من المهنيين

بعض الممارسات الميدانية ساهمت في الضغط على المخزون، سواء بسبب منطق الربح السريع، أو ضعف الالتزام بضوابط الاستدامة، أو الخضوع لتوازنات مفروضة داخل القطاع.

2) الإدارة والقرار العمومي

التذبذب، وضعف الشفافية، وتأخر الإصلاحات، كلها عوامل عمّقت الأزمة بدل احتوائها.

3) المنظومة العلمية والتقنية

حين لا تُترجم المعرفة إلى إنذار واضح وسياسات فعالة، يفقد البحث العلمي جزءًا من أثره، حتى لو كانت الدراسات موجودة.

4) ثقافة الصمت

وهي الأخطر.
ثقافة “واكل وساكت” لا تدمر قطاعًا فقط، بل تدمر الثقة أيضًا.
لأنها تجعل الجميع يؤجل الحقيقة، إلى أن تصبح الكلفة أعلى من القدرة على الإصلاح.

ماذا بعد الانهيار؟ منطق الإنقاذ بدل إنكار الأزمة

المرحلة الحالية لا تحتمل خطابًا تجميليًا.
نحن بحاجة إلى تدبير استثنائي يضع إنقاذ المخزون في صلب القرار الوطني.

أولًا: إجراءات عاجلة

  • التعامل مع القطاع بمنطق الأزمة، لا بمنطق التدبير الإداري العادي.

  • تشكيل خلية أزمة تضم القطاعات المعنية والمهنيين والخبراء.

  • دراسة سيناريوهات قوية لحماية المخزون، بما فيها تقليص أو توقيف الصيد في بعض المناطق الحرجة.

  • مواكبة البحارة النشطين المتضررين بإجراءات اجتماعية واقتصادية واضحة.

  • حماية مناصب الشغل في الوحدات المرتبطة بالقطاع.

  • التنسيق مع الأبناك والضرائب والممونين لإعادة جدولة الالتزامات في حالات الضرر المباشر.

ثانيًا: إصلاحات هيكلية لا مفر منها

  • الشفافية الكاملة: نشر المعطيات العلمية والبيولوجية بشكل دوري ومفهوم.

  • التدبير التشاركي: إشراك المهنيين في القرار قبل الأزمات، لا بعدها.

  • المحاسبة: فتح ملفات الاختلالات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

  • إصلاح سلاسل التسويق: للحد من الفوضى والمضاربة وتوسيع الولوج العادل للسوق.

  • تنويع الاقتصاد البحري: عبر دعم تربية الأحياء المائية، والأنشطة البحرية المستدامة، وتخفيف الضغط على المصايد الطبيعية.

الثروة ليست سرًا… والأمانة تقتضي المحاسبة

ما حدث في قطاع الصيد البحري ليس مجرد خطأ تقني عابر.
إنه مؤشر على خلل أعمق في الحكامة، وفي العلاقة بين القرار العمومي والثروة الوطنية.

الثروة السمكية ليست “سرًا” إداريًا.
وليست “ريعًا” لفئة محظوظة.
إنها ملك جماعي، وأمانة وطنية، وركيزة من ركائز الأمن الغذائي.

وحين يصبح السردين بعيدًا عن مائدة المواطن، وحين يفقد البحار مصدر رزقه، وحين يتراجع المخزون إلى حدود مقلقة، فلا معنى للحديث عن “نجاح” الخطط بلغة الأرقام فقط.

السؤال اليوم ليس فقط: كيف وصلنا إلى هنا؟
السؤال الأهم هو: هل نملك الإرادة السياسية والمؤسساتية للمحاسبة والتصحيح؟

لأن البديل واضح وخطير:
أن نواصل الأكل اليوم، ثم نجوع غدًا.
أن نستهلك البحر حتى يفرغ.
وأن نؤجل الحقيقة إلى أن تصبح النجاة أصعب.

البحر كان سخيًا. لكن جشع البشر كان أسرع في استنزاف عطاياه.

فهل ننتظر حتى تجف آخر قطرة في بحرنا، لنصحو أخيرًا على صوت الحقيقة؟

طه رشيد

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى