بتكلفة لا تتجاوز 44 دولاراً.. علماء مغاربة ودوليون يطورون نظام ري ذكي لتعزيز العدالة المائية والزراعة المستدامة

في خطوة علمية واعدة لمواجهة أزمة ندرة المياه التي تهدد القطاع الفلاحي بالمغرب، نجح فريق بحثي يضم علماء مغاربة وأجانب في تطوير نظام ري ذكي منخفض التكلفة يعتمد على تقنيات إنترنت الأشياء والحوسبة السحابية، بهدف تحسين تدبير مياه الري وتعزيز الاستدامة الزراعية.
الدراسة العلمية، التي نُشرت في مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature العالمية، تقترح نموذجاً عملياً لإدارة الموارد المائية الزراعية عبر نظام رقمي قادر على اتخاذ قرارات آلية دقيقة بشأن عملية الري، اعتماداً على تحليل فوري للمعطيات البيئية.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط الفلاحي على التساقطات المطرية غير المنتظمة، ما يجعل تطوير حلول تكنولوجية ذكية لإدارة المياه عاملاً حاسماً لضمان الأمن الغذائي واستقرار الإنتاج الزراعي.
انتقال من الري التقليدي إلى الزراعة القائمة على البيانات
يعتمد النظام المقترح على شبكة من أجهزة الاستشعار التي تقيس درجة الحرارة، ورطوبة التربة، ونسبة الرطوبة الجوية ومستوى المياه، قبل إرسال البيانات إلى متحكم إلكتروني من نوع ESP32 يقوم بمعالجتها ونقلها إلى منصة سحابية لتحليلها في الزمن الحقيقي.
وتقوم خوارزمية ذكية بمقارنة المعطيات المسجلة مع عتبات بيئية محددة مسبقاً، لتحديد الحاجة الفعلية للمياه وتشغيل نظام الري أو إيقافه بشكل تلقائي، وهو ما يسمح بتوزيع المياه بدقة وفق متطلبات المحصول بدل الاعتماد على جداول زمنية ثابتة تستهلك كميات كبيرة من المياه.
تعاون علمي دولي متعدد التخصصات
وشارك في تطوير المشروع باحثون من مختبرات جامعية مغربية، من بينها كلية العلوم ظهر المهراز التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، وجامعة فاس الخاصة، إلى جانب مؤسسات بحثية دولية في تايوان وأذربيجان وبولندا، متخصصة في علوم البيانات وأنظمة الطاقة والهندسة الذكية.
ويركز البحث على معالجة ضعف كفاءة طرق الري التقليدية التي تؤدي إلى هدر الموارد المائية وتراجع الإنتاجية الزراعية، خاصة في المناطق شبه الجافة بشمال إفريقيا.
ابتكار منخفض التكلفة قابل للتطبيق الميداني
أبرز ما يميز النظام الجديد هو تكلفته التي لا تتجاوز 44 دولاراً، وهو ما يجعله مناسباً للمزارع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للفلاحة المغربية، خلافاً للأنظمة الذكية مرتفعة الكلفة التي تبقى حبيسة المشاريع الكبرى.
وأظهرت النتائج التجريبية قدرة النظام على تقليل استهلاك المياه وتحسين إنتاجية المحاصيل وتقليص مخاطر الإجهاد المائي، إضافة إلى تمكين الفلاحين من مراقبة الحقول عن بعد واتخاذ قرارات دقيقة اعتماداً على بيانات آنية.
نحو عدالة زراعية ومقاومة للتغير المناخي
وترى الدراسة أن إدماج التقنيات الرقمية في إدارة الري لا يمثل مجرد تطور تقني، بل خطوة نحو تحقيق ما يُعرف بـ“العدالة الزراعية”، من خلال إتاحة التكنولوجيا الحديثة للفلاحين محدودي الإمكانيات وتعزيز قدرتهم على التكيف مع التغيرات المناخية.
ويؤكد الباحثون أن النموذج المقترح قابل للتطوير مستقبلاً عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتنبؤ طويل المدى بالطلب على المياه، ما يفتح آفاقاً جديدة أمام الفلاحة الذكية في المغرب وشمال إفريقيا.

