قضية “أم يوسف بجاج” : بين ثغرات القانون وإفلات الجناة من العقاب في دولة الحق والقانون

في قضية تمسّ كرامة الإنسان وحرمة الجسد حتى بعد الموت، تعود إلى الواجهة قضية السيدة “أم يوسف بجاج”، التي فقدت ابنها يوسف في ظروف مأساوية عقب مطاردة بوليسية عام 2021، لتكتشف لاحقاً شكوكاً مروعة حول استئصال أعضائه دون موافقتها وهي في كامل قولها العقلية ووعيها. هذه القضية ليست مجرد معاناة فردية، بل هي اختبار حقيقي لمصداقية المؤسسات وسرعة استجابتها لنداءات العدالة والشفافية في بلد يدّعي أنه دولة الحق والقانون.
المشكلة القانونية والانتهاكات الصارخة:
تكشف الوقائع عن تناقض صارخ بين النصوص القانونية والممارسة على الأرض.فالقانون المغربي رقم 98.16 المتعلق بالتبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية يفرض شروطاً صارمة، أهمها الموافقة الكتابية الواعية للشخص أو أهله، وتوثيق كل المراحل تحت إشراف لجنة طبية مستقلة، وهو ما يتماشى مع اتفاقية مجلس أوروبا والمبادئ التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية. ومع ذلك، فإن رد الوكيل العام للملك، الذي اقتصر على نفي الادعاءات دون فتح تحقيق جاد أو تمكين الأم من حقها في أدق الملفات الطبية والقضائية لابنها، يمثل خرقاً صارخاً لهذه المقتضيات. إن عدم الشفافية في هذه القضية، وحرمان الأم من حقها الأساسي في المعرفة، يحوّل الاشتباه إلى جريمة مؤسساتية محتملة، تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية التي يكرسها الدستور المغربي والقوانين الدولية.
بطء العدالة وإفلات الجناة: انتقاد لاذع للتعطيل المؤسساتي:
الأمر الأكثر إيلاماً في هذه القضية هو التجسيد الصارخ لآفة “الإفلات من العقاب” و”بطء العدالة” التي تنخر مؤسسات الدولة. إن الاكتفاء بردود شكلية، ورفض فتح تحقيق مستقل بمشاركة منظمات حقوقية وأطباء محايدين، يُغذي الشكوك ويدعم فرضية وجود إرادة لإخفاء الحقائق. كيف يمكن لدولة الحق والقانون أن تتعامل ببرود مع اتهامات خطيرة مثل “تزوير الموافقة” أو “استغلال الوضع النفسي للأهل”؟ إن التستر على مثل هذه الأفعال، إن ثبتت، يجعل من المؤسسات شريكاً في الجريمة عبر الصمت والتقاعس. إن ثقة المواطن في المنظومة القضائية والصحية تتهاوى عندما تتحول القوانين إلى حبر على ورق، وتُستخدم البيروقراطية والتعقيدات الإدارية كستار لإخفاء التقصير أو الجرم.
نداء للحقيقة ولإعادة الاعتبار للثقة:
قضية”أم يوسف” ليست قضية امرأة وحيدة، بل هي قضية وطن يتعلق بمبادئه الأساسية. إن صون كرامة الأجساد بعد الوفاة هو امتداد لحماية كرامة الأحياء. إن الدعوة إلى فتح تحقيق نزيه وشفاف، ومحاسبة كل من ثبت تورطه، وتمكين الأم من كل الوثائق، ليست مجرد مطالب حقوقية، بل هي واجب قانوني وأخلاقي لتطهير المؤسسات وإعادة بناء الجسور المكسورة مع المواطنين. إن دولة الحق والقانون الحقيقية هي التي لا تخشى الحقيقة، ولا تحمي الجناة، وتضع كرامة مواطنيها فوق كل اعتبار. فإلى متى ستظل “أم يوسف” وأمثالها تنتظر العدالة التي تأتي دائماً متأخرة، أو لا تأتي أبداً؟
فريد الحر – I-Freedom

