طنجة بين مصنع يُسرّح وعَرضٍ بحري يختفي… حين تلتقي العولمة بأزمة المعيشة

في نهاية فبراير 2026، تبدو طنجة وكأنها تختصر تناقضات النموذج الاقتصادي المغربي بأكمله. المدينة التي تحولت خلال عقدين إلى واجهة صناعية كبرى، ورمز للانفتاح الاقتصادي والاستثمار الدولي، تجد نفسها اليوم أمام أزمتين متزامنتين تضربان في العمق سؤال الشغل والعيش الكريم: تسريحات مرتقبة داخل أكبر مشروع صناعي بالمدينة، وأزمة غير مسبوقة في توفر السردين، السمك الذي ظل لعقود عنواناً للأمن الغذائي للفئات الشعبية.
طنجة التي قُدمت طويلاً باعتبارها “ديترويت المغرب” بفضل صناعة السيارات، تعيش اليوم أول اختبار حقيقي لهشاشة الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية. فبعد أشهر فقط من إعلان اتفاقيات توسع واعدة في قطاع صناعة السيارات، تتجه شركة رونو إلى تقليص عدد مناصب الشغل داخل مصنعها الضخم، في خطوة تعكس تحولات عالمية أعمق من القرار المحلي نفسه.
التحول نحو السيارات الكهربائية، وتسارع الأتمتة الصناعية، والمنافسة القوية القادمة من آسيا، كلها عوامل تعيد رسم خريطة الصناعة العالمية. غير أن انعكاساتها الاجتماعية تظهر دائماً في المدن الصناعية أولاً. فالعامل الذي ارتبط مستقبله بوعد الاستقرار الصناعي يجد نفسه فجأة أمام واقع جديد: الاقتصاد العالمي يتغير بسرعة أكبر من قدرة المجتمعات المحلية على التكيف.
القلق الأكبر لا يرتبط فقط بعدد العمال المعنيين بالتسريح، بل بما يسمى اقتصادياً بتأثير “الدومينو”. فكل منصب شغل داخل المصنع يرتبط بسلسلة واسعة من شركات المناولة والخدمات والنقل واللوجستيك، ما يعني أن الأثر الحقيقي قد يتجاوز بكثير الأرقام المعلنة، ويطال النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة بأكملها.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، تتشكل أزمة مختلفة لكنها لا تقل قسوة. اختفاء السردين من الأسواق أو ارتفاع ثمنه بشكل غير مسبوق وضع المغاربة أمام مفارقة صادمة: بلد يمتلك آلاف الكيلومترات من السواحل يجد مواطنوه صعوبة في اقتناء أكثر الأسماك شعبية.
التفسير العلمي واضح نسبياً. التقارير المتخصصة تحذر منذ سنوات من تدهور المخزون السمكي نتيجة الاستغلال المفرط والتغيرات المناخية، ما فرض قرارات صارمة بمنع الصيد في مناطق واسعة لحماية الثروة البحرية من الانهيار. منطقياً، يبدو القرار ضرورياً على المدى الطويل. لكن اجتماعياً، يظهر أثره فوراً على القدرة الشرائية وعلى آلاف الصيادين والعمال المرتبطين بسلسلة الصيد والتجميد والتوزيع.
هنا تظهر معضلة السياسات العمومية في أوضح صورها: القرار الصحيح علمياً قد يكون مكلفاً اجتماعياً إذا لم يُواكب بحماية اقتصادية كافية. فالدولة تجد نفسها مطالبة في الوقت ذاته بإنقاذ المخزون البحري للأجيال القادمة وتهدئة غضب اجتماعي آني، خصوصاً في سياق رمضاني ترتفع فيه حساسية الأسعار والقدرة الشرائية.
المشهد العام لا يعكس فشل قرار بعينه، بل يكشف صعوبة التوفيق بين زمنين مختلفين: زمن الاقتصاد العالمي الذي يفرض إعادة هيكلة الصناعات بسرعة، وزمن المجتمع الذي يحتاج إلى استقرار وفرص عمل وأمن غذائي يومي. العامل المسرّح من المصنع، والصياد المتوقف عن العمل، والمستهلك الذي يواجه ارتفاع الأسعار، جميعهم يدفعون ثمن انتقال اقتصادي وبيئي لم تكتمل بعد آليات حمايته الاجتماعية.
طه رشيد

