شأن وطني

الناس… حين يتحملون ما لا يجب أن يتحملوه

الناس فهاد البلاد كيحملو أكثر مما يجب، وأكثر مما يمكن، وأكثر مما يُنتظر من أي مواطن فالعالم. ما عرفو الراحة، ما عرفو السهولة، ما عرفو الطريق اللي سالكة… عرفو غير الصبر، والانتظار، والتأقلم مع ما لا يُطاق. وكأنَّ الحياة فرضت عليهم معادلة قاسية: “تحمّل… وإلا سيتحطم ما تبقى من قوتك.” ولكن السؤال الحقيقي هو: علاش الناس خاصهم يتحمّلو أصلاً ما لا يجب أن يتحمّلوه؟

المغربي كيبدأ نهارو وهو عارف أن كل خطوة هي معركة: معركة فالنقل، فالإدارة، فالزحام، فالخدمة، فالمستشفى، فالمدرسة، فالشغل اللي ما كيبانش، فالراتب اللي كيمشي قبل ما يوصل، فالقانون اللي كيتطبق عليه أكثر من غيره، فالغلاء اللي كيلبس وجه جديد كل أسبوع. الناس تأقلمو مع الألم، مع الرداءة، مع الوعود اللي ما كتجيش، مع الأحلام اللي كتتأخر حتى يضيع الوقت.

أكثر حاجة كتوّجع فالمشهد هي أن الناس ما كيحتجوش على التفاصيل الصغيرة لأنها ما بقاتش صغيرة: الساعات اللي كيضيعوها فالإدارة ماشي “تفصيل”، هي وقت من حياتهم. الامتحانات اللي كتتأجل بلا سبب ماشي “عطب تقني”، هي مستقبل كيتهز ويتلوّى. غياب الأسرة فالمستشفى ماشي “ظرف”، هو حياة كتُترك في يد الصدفة. الشاب اللي كيدور بخمسين سيرة ذاتية فالأسبوع وما يسمع حتى جواب… ماشي كيطلب المستحيل، كيطلب حقاً عادياً: فرصة.

المغربي تعلّم يكون قوي، وتعلّم يكون ساكت، وتعلّم أنه خاصه يكون مسؤول حتى على الأخطاء اللي ما دارتهاش يدو. ملي كيوقع مشكل فخدمة، يقول: “صافي، نزيد نتحمل.” ملي كيمرض واحد من العائلة، كيجمعو الفلوس من كل جهة، وكيقولو: “الله يلطف، نتحملو.” ملي الولد كيحتاج مدرسة، العائلة كتشد قرض، وكتقول: “نصبروا.” ملي كيزيد الثمن فالسوق، الناس كتخرج بلا ما تشري، وكتقول: “غدا أحسن.”

ولكن علاش خاص الناس يتحمّلو كلشي؟
علاش خاص المواطن يبلع المرارة ويضحك؟
علاش المواطن هو اللي كيسدّ الثقوب اللي كتخليها المؤسسات؟

التحمل صفة جميلة، ولكن ملي كيتحوّل لسياسة رسمية كتسند عليها الدولة… كيولي ظلم. لأن منطق “تحمّل شوية” كيمشي شوية بشوية حتى كيولي “تحمّل كلشي”. والناس تحملو التعليم اللي تراجع، والصحة اللي طاحت، والخدمات اللي عطابت، والغلاء اللي خنق، والفساد اللي ترسّخ. تحملو حتى العتاب، وكأن المشكلة فيهم هم… لا في السياسات اللي ما عمرها شافت المواطن كإنسان قبل ما يكون رقم.

ووسط هاد الصبر الطويل، كاين كرامة كتتآكل. ملي المواطن كيمشي لمصلحة بسيطة وتتحوّل لرحلة عذاب، كيهبط راسو ويقول: “ما عندي ما ندير.” ملي كيتعرض للظلم، كيسكت حيت ما عندوش الثقة فأن الشكاية غادي تغيّر شي حاجة. ملي كيتظلم فالمباراة، كيهزّ كتافو ويكمّل الطريق. هذاك السكوت… ماشي رضا، هذاك السكوت هو آخر درجة ديال التعب.

ولكن وسط هادشي كامل، الناس ما زالين واقفين، ما زالين كيعريو على كتافهم باش يدوزو النهار، ما زالين كيعطيو بلا ما ياخدو، ما زالين كيبنيو أحلام لأولادهم ولو فبلاد ما كتسندش الحلم. ومع كل هذا، كيبقى سؤال واحد كيطرطق فالرأس ديال أي مغربي: إلى الناس تحملو كل ما لا يجب أن يتحملوه… فاش كيتحمّل المسؤول اللي مخوّل باش يرفع عليهم هاد الحمل؟

البلاد اللي كتعيش على صبر الناس فقط، هي بلاد كتعيش على حافة الانفجار.
الناس ما كيتحملوش لأنهم باغين… الناس كيتحملو لأنهم مجبورين.
والدولة اللي كتفهم هذا الواقع… كتكون أمام اختبار تاريخي:
إما تخفف الحمل،
أو تخسر الناس.

والمغاربة… ما خسرو حتى واحد إلا اللي خسر نفسو عليهم.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى