أزمة الديمقراطية الداخلية في الأحزاب المغربية : زعامات تتجدد… وقواعد تُهمَّش

1. مدخل: أحزاب في زمن المفارقة
منذ بداية “الانفتاح الديمقراطي” في المغرب نهاية التسعينات، قُدِّمت الأحزاب السياسية باعتبارها الوسيط الطبيعي بين الدولة والمجتمع، والقناة الأساسية لتمثيل المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة. غير أن المسار الذي عرفته معظم هذه الأحزاب في العقدين الأخيرين يكشف عن مفارقة حادّة:
كلما تعددت خطابات الإصلاح والديمقراطية، ضاق هامش الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها.
ما جرى مؤخراً داخل الاتحاد الاشتراكي—مع تعديل قانونه الداخلي لتمديد ولاية الكاتب الأول ثم تشكيل مكتب سياسي على مقاس القيادة—ليس حالة معزولة، بل حلقة في سلسلة طويلة من “التدبير العمودي” الذي يطبع المشهد الحزبي المغربي.
2. تعديل القوانين على مقاس الزعماء
أحد أبرز مظاهر أزمة الديمقراطية الداخلية يتمثّل في اللجوء المتكرر لتعديل القوانين الأساسية والداخلية بما يسمح بإطالة عمر القيادة، أو إعادة إنتاج نفس الوجوه على رأس الأحزاب.
-
تُعقد مؤتمرات استثنائية أو عادية،
-
تُقترح تعديلات على شرط عدد الولايات أو سن الترشح أو طريقة انتخاب الأجهزة،
-
ثم تُمرر هذه التعديلات بأغلبية مضمونة سلفاً، فيتحول “النص” إلى خادم لـ“الزعيم”، بدل أن يكون العكس.
بهذه الطريقة تتحول الأحزاب إلى بُنى جامدة تُعيد تدوير نفس القيادة، وتغلق الباب عملياً أمام الأجيال الجديدة، وتفرغ مبدأ التداول من محتواه.
3. المؤتمرات… من فضاء للتنافس إلى آلية للتزكية
في الأدبيات الحزبية، يُفترض أن يشكّل المؤتمر أعلى سلطة تقريرية، ومنبراً للتقييم والمحاسبة وتغيير التوجهات والقيادات عند الحاجة. لكن في الواقع المغربي، غالباً ما تتحوّل المؤتمرات إلى:
-
مناسبات رمزية لتزكية ما تقرر سلفاً،
-
فضاءات لتوزيع المواقع والامتيازات،
-
أو لحظات لإخراج “توافقات فوقية” إلى العلن.
تُحسم الأمور قبل المؤتمر عبر التحالفات الداخلية والولاءات الشخصية، ثم يُستدعى المناضلون للتصفيق. وهكذا يصبح المؤتمر نهاية للنقاش لا بدايته.
4. مكاتب سياسية ولجان تنفيذية بلا معارضة حقيقية
ما وقع في المثال الذي انطلقتَ منه (الاتحاد الاشتراكي) يختصر آلية معروفة في أحزاب أخرى أيضاً:
-
إعادة انتخاب الزعيم عبر تعديلات قانونية أو توافقات داخلية.
-
تشكيل مكتب سياسي أو لجنة تنفيذية من أسماء أغلبها موالية، مع استبعاد الوجوه المنتقدة أو الأصوات المزعجة.
-
توزيع مهام قطاعية (شباب، نساء، إعلام، علاقات خارجية، رقمنة…) تُعطي الانطباع بوجود هيكلة عصرية، لكنها عملياً تعمّق شبكة الولاءات وتُحكم السيطرة على المفاصل التنظيمية.
النتيجة:
مؤسساتٌ حزبية بلا توازن داخلي،
و”معارضة حزبية داخل الحزب” إما تُحتوى، أو تُقصى، أو تُدفع إلى الاستقالة والصمت.
5. ثقافة الزعامة الطويلة الأمد
خلال العقود الأخيرة، عرف عدد من الأحزاب المغربية زعامات تمتد لسنوات طويلة، سواء عبر ولايات متتالية أو عبر استمرار النفوذ في الخلفية حتى بعد ترك المنصب شكلياً.
هذه الزعامات الطويلة تُنتج عدة ظواهر:
-
شخصنة القرار الحزبي: يصبح الحزب مرتبطاً بصورة شخص واحد؛ خطابه، مزاجه، تحالفاته.
-
ضعف النخب البديلة: حين يُقصى كل من يختلف مع القيادة، يتم إفراغ الحزب من الكفاءات المستقلة.
-
تحويل الأجهزة إلى واجهة: المكتب السياسي، اللجنة المركزية، المجلس الوطني… تتحول إلى أطر للمصادقة، لا لصناعة القرار.
ومع مرور الوقت، يفقد المناضلون الإحساس بجدوى الانخراط، ويُختزل الحزب في دائرة ضيقة من المستفيدين.
6. الشباب والنساء… واجهة تجميل أم مشاركة فعلية؟
لا تخلو البيانات الحزبية من الحديث عن “تشبيب القيادات” و”تمكين النساء”. كما تُرصَّع اللوائح بأسماء شابة ونسائية. لكن السؤال الجوهري:
هل هؤلاء فاعلون حقيقيون في صناعة القرار، أم مجرد واجهة لتلميع الصورة؟
في كثير من الحالات، تتم استعمال الوجوه الشابة والنسائية كديكور أمام الرأي العام، بينما يظل القرار بيد الحلقة القديمة.
الشاب أو الشابة يُستدعى لمهرجان خطابي أو لائحة انتخابية، لكن حين يتعلق الأمر بالنقاش الاستراتيجي أو التحالفات أو المواقف الكبرى، يُعاد الملف إلى “الكبار”.
هذا الوضع يخلق إحباطاً مضاعفاً لدى الجيل الجديد:
إحباط من الواقع العام، وإحباط من الأحزاب التي كان يُفترض أن تمثل أداة للتغيير.
7. المال والانتخابات… حين تُختزل السياسة في الحصيص الانتخابي
أزمة الديمقراطية الداخلية مرتبطة أيضاً بطبيعة الوظيفة التي أصبحت تضطلع بها الأحزاب في النسق السياسي المغربي:
الانتخابات أولاً… والباقي تفاصيل.
مع توسع دائرة جماعات الترابية والبرلمان ومجالس الجهات، تحولت التزكيات الانتخابية إلى ورقة قوة داخل الأحزاب. من يملك مفاتيح التزكية يملك عملياً جزءاً كبيراً من سلطة القرار. وهكذا:
-
يصبح الانخراط في الحزب بحثاً عن ترشيح أو منصب، أكثر منه التزاماً بقضية أو مشروع.
-
تُقاس قيمة المناضل بما يملكه من “خزان انتخابي” لا بما يقدمه من أفكار.
-
وتتحول الهياكل التنظيمية إلى قنوات لتوزيع الترشيحات والمقاعد.
في هذا السياق، يصبح من “المنطقي” بالنسبة للقيادة أن تُحكم السيطرة على الأجهزة، وأن تُحيِّد الأصوات المزعجة، ضماناً لـ“الاستقرار الانتخابي”.
8. نتائج الأزمة: عزوف، تفكك، وفقدان ثقة
كل هذه العوامل تترجم سياسياً واجتماعياً في ثلاثة مستويات واضحة:
-
عزوف جماهيري متزايد
كثير من الشباب يعتبر أن الأحزاب مجرد “أدوات لتوزيع الغنائم” أو “قنوات لتزيين الواجهة الديمقراطية”، فيختار الانسحاب من اللعبة، أو التعبير بطرق أخرى (حركات شبابية، حملات رقمية، احتجاجات غير مؤطرة…). -
تفكك داخلي وصراعات بلا أفق
غياب آليات ديمقراطية حقيقية لتدبير الخلاف يجعل كل صراع داخلي يتحول إما إلى انشقاق، أو إلى انسحاب صامت، أو إلى حرب مواقع داخلية تستهلك ما تبقى من رصيد الحزب. -
فقدان الثقة في المؤسسات ككل
حين يرى المواطن أن الأحزاب لا تحترم الديمقراطية داخلها، يصبح من الصعب إقناعه بأنها ستدافع عن الديمقراطية في الدولة. وهكذا يتعمق الشعور بأن “اللعبة مغلقة من الأعلى إلى الأسفل”.
9. هل من مخارج ممكنة؟
رغم سوداوية الصورة، ليست الأزمة قدراً نهائياً. هناك على الأقل ثلاثة مسارات يمكن أن تفتح أفقاً جديداً:
أ) تقييد الولايات القيادية بقوة النص
اعتماد قوانين داخلية صارمة تمنع التمديد المتكرر، وتُسقِط كل محاولة لتعديل النص على مقاس شخص بعينه.
هذا يحتاج إلى وعي داخل القواعد، وإلى ضغط مستمر من المناضلين لرفض “تأبيد الزعامة”.
ب) تمكين حقيقي للشباب والنساء
ليس عبر البلاغات أو الصور، بل عبر:
-
منحهم مواقع فعلية في الأجهزة التقريرية،
-
ضمان حقهم في التعبير المخالف دون خوف من التجميد أو الإقصاء،
-
وفتح المجال أمامهم لتولي المسؤولية التنظيمية والانتخابية.
ج) ربط الدعم العمومي بالديمقراطية الداخلية
يمكن للدولة أن تُحوّل جزءاً من الدعم العمومي للأحزاب إلى آلية تشجع الديمقراطية الداخلية:
من يحترم دورية المؤتمرات، وشفافية الانتخاب الداخلي، وتداول القيادة… يستفيد أكثر.
ومن يعيد إنتاج نفس الزعامة دون شفافية، يُراجع دعمه.
هذا الربط المالي-السياسي قد يدفع الأحزاب إلى مراجعة أساليبها، ليس حباً في الديمقراطية، بل حفاظاً على استمرارها.
10. خاتمة: حين لا تكون الأحزاب ديمقراطية… أين يتنفس المجتمع؟
أزمة الديمقراطية الداخلية في الأحزاب المغربية ليست مسألة تنظيمية تقنية، بل قضية مستقبل سياسي.
فالأحزاب، في النهاية، هي المدارس التي تُنتج النخب التي ستدير الشأن العام.
وإذا كانت هذه المدارس نفسها تعاني من الاستبداد الصغير، فكيف يمكن أن ننتظر منها أن تُنتج ديمقراطية كبيرة؟
إن ما يجري اليوم من تمديد للزعامات، وتصفية للمعارضة الداخلية، وتحويل الهياكل إلى واجهات، يدفع المجتمع إلى البحث عن بدائل خارج النظام الحزبي التقليدي:
حركات شبابية، تنسيقيات مهنية، حملات رقمية، أو حتى أشكال تعبير أكثر حدّة.
الرسالة التي يبعثها الواقع بسيطة وقاسية في الآن نفسه:
إما أن تعيد الأحزاب بناء ديمقراطيتها من الداخل، أو ستجد نفسها، في لحظة ما، خارج التاريخ السياسي للشعب الذي تدّعي تمثيله.

