ضحايا الحوز في الشارع.. لأن الدولة اختارت الانتظار بدل الإنصاف

لنقلها بوضوح، ودون لغة خشب:
ما يعيشه ضحايا زلزال الحوز اليوم ليس امتداداً لكارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لفشل سياسي وإداري في تدبير ما بعد الكارثة. الزلزال انتهى في لحظته، أما المعاناة التي طالت لأكثر من سنتين، فهي من صنع البشر، ومن مسؤولية الدولة وحدها.
حين يُجبر مواطنون فقدوا بيوتهم بشكل كلي على العودة إلى الاحتجاج بعد عامين وأربعة أشهر، فالمشكل لم يعد في “الملفات”، ولا في “الإجراءات”، ولا في “التعقيدات التقنية”. المشكل اسمه الإهمال، واسمه التأجيل، واسمه غياب قرار شجاع ينهي المأساة بدل تدويرها.
الدولة التي استطاعت أن تعبئ الخطاب، وأن تحشد التعاطف، وأن ترفع شعارات التضامن في الأيام الأولى، هي نفسها التي عجزت عن إغلاق هذا الملف بإنصاف. وهذا تناقض لا يمكن تبريره. لأن التضامن لا يُقاس بالبلاغات، بل بالنتائج. ولا يُقاس بعدد اللجان، بل بعدد البيوت التي أُعيد بناؤها، وبعدد الأسر التي خرجت من الخيام والهشاشة.
الواقع اليوم فاضح:
مئات الأسر ما زالت خارج لوائح الدعم.
معايير غير مفهومة.
طعون لا تلقى جواباً.
وصمت رسمي يُراد له أن يُقدَّم كأنه “تدبير هادئ”، بينما هو في الحقيقة تجاهل بارد لمعاناة حقيقية.
والأخطر من ذلك، أن الضحايا لم يكونوا متهورين ولا عدميين. بالعكس، علّقوا احتجاجاتهم في لحظة وطنية حساسة، حرصاً على صورة البلاد، وعلى ما سُمّي بالمصلحة العليا. أي أنهم تصرّفوا بمسؤولية سياسية وأخلاقية أعلى من كثير من المسؤولين. واليوم، حين يعودون إلى الشارع، فإنهم لا يحرجون الدولة، بل يكشفونها.
الوقوف أمام البرلمان ليس استعراضاً، بل اتهاماً مباشراً. اتهاماً لمن يشرّع، ولمن يراقب، ولمن يملك سلطة السؤال والمحاسبة ثم يختار الصمت. لأن البرلمان الذي لا يتحرك أمام مأساة بهذا الحجم، يفقد جزءاً من مبرر وجوده.
فلنسأل السؤال الذي يُراد الهروب منه:
كيف يُعقل أن تمر سنتان على كارثة وطنية، دون تسوية عادلة وشاملة؟
كيف يُطلب من الضحايا الصبر إلى ما لا نهاية، وكأن الإنصاف ترف، وكأن الحقوق مؤجلة؟
وأي رسالة تُبعث للمواطن حين يرى أن الكارثة تُنسى مع الوقت، وأن من لا يحتج بقوة يُعاقَب بالنسيان؟
هنا يجب كسر الوهم:
الحديث عن “الإكراهات” لم يعد مقنعاً.
والحديث عن “الظروف” صار مهيناً.
لأن الدولة التي لا تنصف ضحاياها، لا يمكنها أن تطلب ثقة مواطنيها.
زلزال الحوز اليوم لم يعد حدثاً جيولوجياً، بل اختباراً سياسياً. اختباراً لقدرة الدولة على الوفاء بوعودها، وعلى احترام كرامة مواطنيها، وعلى فهم بسيط جداً: الكوارث لا تُقاس بلحظة وقوعها، بل بكيفية إنهائها.
وما دام الضحايا في الشارع، فذلك يعني أن الكارثة ما زالت قائمة.
وما دام الإنصاف مؤجلاً، فكل خطاب رسمي عن التضامن يبقى بلا معنى.
لأن الصبر، حين يتحول إلى قهر، يصبح اتهاماً مفتوحاً للدولة.

