صحة

كيف يؤثّر مكان نشأتك على شخصيتك؟

لا يمثل التفاعل المستمر بين جيناتنا والمكان الذي نعيش فيه مجرد شعور عابر، بل يجسد عملية بيولوجية معقدة تغير شكل أدمغتنا فعلياً. هكذا تستهل عالمة النفس في جامعة تايوان الوطنية، تشينغ يو هوانغ، حديثها حول التأثير العميق للبيئة على التكوين البشري.

توضح “هوانغ” أن تجاربنا اليومية تنحت “مسارات عصبية” داخل أدمغتنا، وتجعلها تترسخ مع مرور الوقت. وبالنسبة لها، لا تمثل الثقافة مجرد قشرة خارجية، بل هي المكون الأساسي الذي يبني الشخصية. وتطرح هوانغ مثالاً قاطعاً يزلزل مفاهيم الثبات البيولوجي:

لو نشأتَ في تايوان بدلاً من موطنك الحالي، لكنتَ شخصاً آخر تماماً. فحتى دماغك الذي تحمله الآن في رأسك سيكونمختلفاً في تكوينه العصبي، حتى لو ظل حمضك النووي (DNA) ثابتاً دون تغيير“.

الثقافة هي “المهندس” والجينات هي “المادة الخام”

بناءً على هذا المنطق العلمي، يرى الخبراء أن البيئة الجغرافية والاجتماعية تعمل كـ “مبرمج” للجهاز العصبي. ففي السويد، يبرمج الدماغ مساراته لتعتمد على الهدوء، التفكير المستقل، والخصوصية. أما في المغرب، فيطور الدماغ مسارات تتفوق في قراءة تعبيرات الوجوه، والتعامل مع الضجيج الاجتماعي، والذكاء العاطفي الجماعي. هنا، تعطينا الجينات “المواد الخام”، لكن الثقافة هي “المهندس” الذي يقرر كيف سيُبنى هذا الدماغ.

من جهته، يدعم فيفيان فينيول، عالم النفس عبر الثقافات في جامعة ساسكس، هذا الطرح. ويرى “فينيول” أن الناس يميلون للمبالغة في دور الجينات، مؤكداً أن الجينات، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى بيئة محددة لإبراز سماتها.

سقوط نظرية “العالمية” في علم النفس

يشير “فينيول” إلى أن فكرة تشكيل الثقافة لنظرة الناس لأنفسهم، ورغم قوتها اليوم، شكلت صدمة لعلماء النفس في منتصف القرن العشرين. فقد افترض العلماء طويلاً أن علم النفس البشري “عالمي”، وأن نتائج الدراسات السلوكية في الولايات المتحدة وأوروبا ستنطبق بالضرورة على بقية العالم.

لكن الدراسات المقارنة أثبتت زيف هذا الافتراض. فعلى سبيل المثال، يميل الغربيون إلى الفردية، حيث يعرفون أنفسهم عبر سمات شخصية (مرح، ذكي)، بينما يميل اليابانيون إلى الجماعية، فيعرفون أنفسهم عبر أدوارهم الاجتماعية (أب، طالب).

فحص الدماغ: الصينيون يفكرون في “الأم” كجزء من الذات

تثبت فحوصات الدماغ هذه الفروقات بشكل ملموس. ففي دراسة قارنت بين نشاط الدماغ لدى مجموعات مختلفة، لاحظ الباحثون أن الجزء المسؤول عن “الوعي الذاتي” لدى الغربيين ينشط فقط عند التفكير في أنفسهم. أما لدى الصينيين، فإن هذا الجزء ينشط عند التفكير في “الأم” أيضاً، مما يعكس تداخلاً ثقافياً بين الذات والعائلة.

وفي دراسة أخرى أجرتها هوانغ عام 2022، شملت 22 دولة، ظهر تباين واضح في سمات الشخصية:

دول الانضباط: (مثل ألمانيا، الصين، الهند) سجل سكانها درجات أعلى في التنظيم والالتزام.

دول المرونة: (مثل كندا، النرويج، نيوزيلندا) سجل سكانها مستويات أعلى من الانفتاح على التجارب والتوافق.

الذات كـ “نصب تذكاري” أم كـ “نهر متدفق”؟

يلاحظ الباحثون أيضاً أن الثقافات الغربية تنظر إلى “الذات” كشيء ثابت لا يتغير، يشبه “النصب التذكاري”. في المقابل، تنظر الثقافات الآسيوية للذات ككيان مرن وقابل للتغيير.

هذا الاختلاف يمتد حتى إلى طريقة رؤيتنا للأشياء؛ فبينما يركز الغربي على “الفرد” أو “العنصر” في أي مشهد، يركز الياباني على “السياق” والعلاقات بين العناصر. ويضرب “فينيول” مثالاً بغرفة انتظار طبيب الأسنان؛ فالغربي يفسر قلق الشخص الجالس بجانبه على أنه سمة شخصية فيه، بينما يربطه الشرقي فوراً بالموقف والسياق (الخوف من الألم).

المعضلة الفلسفية: هل يبقى “الأنا” ثابتاً؟

ختاماً، يظل السؤال حول ما إذا كنا سنبقى الأشخاص أنفسهم في ثقافة مختلفة سؤالاً فلسفياً بامتياز.

فالفريق البيولوجي (19% من الفلاسفة) يرى أنك تظل أنت ما دام جسدك وبيولوجيتك موجودة، حتى لو فُقدت ذاكرتك.

و الفريق البنائي: يرى أن الهوية تُبنى اجتماعياً عبر اللغة والتفاعل، ولا وجود لـ “ذات حقيقية” بمعزل عن البيئة.

ورغم صعوبة الفصل الدقيق بين الجينات والثقافة، يبقى المؤكد أننا نتاج بيئاتنا الاجتماعية إلى حد كبير. وكما يقول فيليب جوف، الفيلسوف بجامعة دورهام: “الإنسان قد يتغير جذرياً مع الوقت والنضج، مما يجعل مفهوم (الأنا) الثابت مجرد تصور بشري مرن”.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى