مقترح الحكم الذاتي في نسخته الموسعة: انتقال من المبادرة السياسية إلى مشروع دستوري مكتمل؟

كشف موقع إسباني تفاصيل ما وصفه بالنص الموسع لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب في مدريد، في وثيقة تقنية من نحو 40 صفحة تتضمن 42 بنداً تفصيلياً، في خطوة تعكس – إن صحّت المعطيات – انتقال المقترح من مستوى المبادرة السياسية العامة إلى صيغة أقرب إلى نظام أساسي دستوري متكامل.
التحول هنا ليس شكلياً. فمبادرة 2007 كانت إطاراً سياسياً تفاوضياً، بينما النسخة الجديدة، وفق ما نُشر، تبدو أقرب إلى هندسة قانونية دقيقة تُحدد توزيع الاختصاصات، وآليات الرقابة، والنظام المالي، والتمثيلية المؤسساتية، والضمانات الدستورية، بل وحتى المقتضيات الانتقالية.
من إعلان سياسي إلى نص مُقنن
أبرز ما يميز الوثيقة – كما ورد – هو تحويل المبادرة إلى نص “مادة بمادة”، يتضمن تعريفات قانونية وأحكاماً انتقالية وآليات للطعن الدستوري، وهو ما يضعها في خانة المشاريع المؤسِّسة وليس التصورات العامة.
هذا التطوير يتزامن مع دينامية دبلوماسية متصاعدة، ومع استناد المغرب إلى قرارات مجلس الأمن الأخيرة التي تصف الحكم الذاتي بـ”الجاد والواقعي وذي المصداقية”. وبذلك يبدو أن الرباط تسعى إلى تقديم نموذج مؤسسي قابل للتطبيق الفعلي، بدل الاكتفاء بخطاب سياسي عام.
توزيع دقيق للاختصاصات… مع خط أحمر سيادي
وفق التفاصيل المنشورة، يعتمد النص مبدأ اللائحة المزدوجة: اختصاصات حصرية للدولة (الدفاع، السياسة الخارجية، العملة، الجنسية، القضاء الأعلى…)، واختصاصات مفصلة للجهة تشمل التخطيط والتنمية والصيد البحري والسياسات الاجتماعية والثقافية.
غير أن نقطة التوازن الحاسمة تكمن في “الولاء الدستوري” وآلية تعليق بعض الصلاحيات في حالات استثنائية تمس الوحدة الترابية أو النظام الدستوري. هنا يتضح أن المشروع، رغم توسيعه لهامش التدبير الجهوي، يضع سقفاً صارماً يمنع أي تأويل انفصالي.
بمعنى آخر: الحكم الذاتي واسع، لكن السيادة غير قابلة للتجزئة.
برلمان جهوي بشرعية مزدوجة
الاقتراح بإحداث برلمان جهوي يجمع بين الانتخاب المباشر وتمثيلية قبلية يهدف إلى استيعاب الخصوصية الاجتماعية والتاريخية للمنطقة، ضمن صيغة مؤطرة قانونياً.
غير أن الإبقاء على عضوية المنتخبين الجهويين في البرلمان الوطني يُعد رسالة سياسية واضحة: الإقليم ليس كياناً منفصلاً، بل جزء من المنظومة الوطنية، يشارك في القرارات السيادية.
هذا الدمج بين التمثيلية الجهوية والوطنية يعكس تصوراً يقوم على تعزيز المشاركة دون خلق ازدواجية في الشرعية.
نقطة الخلاف: من يُنصّب السلطة التنفيذية؟
إحدى أكثر النقاط حساسية، وفق ما نُشر، تتعلق بطريقة تعيين رئيس الحكومة الجهوي. الرباط تدافع عن تنصيب ملكي مؤطر دستورياً، فيما تطالب البوليساريو بانتخاب مباشر.
الرهان هنا ليس تقنياً بل سياسياً: انتخاب مباشر قد يمنح شرعية تنفيذية قوية قابلة للتحول إلى مركز سياسي موازٍ، بينما التنصيب المؤطر يضمن انسجام الهرم المؤسساتي ومنع أي ازدواجية في المرجعية السيادية.
نظام مالي تحت رقابة مزدوجة
المقترح يقر موارد ذاتية للجهة، تشمل ضرائب وإتاوات ونسبة من العائدات، مع آليات للانضباط المالي، وصندوق للتوازن، ورقابة المجلس الأعلى للحسابات.
كما يشترط ترخيصاً مزدوجاً للاستثمارات الأجنبية، في بند يعكس تمسك المغرب بمبدأ السيادة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي، خصوصاً في القطاعات الحساسة.
ترتيبات انتقالية ومصالحة
الوثيقة – حسب المعطيات – تتضمن آليات لتنظيم عودة سكان مخيمات تندوف، ونزع السلاح، وإعادة الإدماج، مع عفو منظم يستثني الجرائم الدولية.
هذا البعد الانتقالي يُظهر أن النص لا يعالج فقط البنية المؤسساتية، بل يحاول معالجة آثار النزاع سياسياً وأمنياً واجتماعياً.
استفتاء واندماج دستوري محصن
يقضي المشروع بعرض النظام الأساسي على استفتاء وطني، ثم إدماجه في الدستور ضمن باب خاص محصن ببند عدم المساس. هذا التفصيل يحمل رسالة مزدوجة:
-
منح الشرعية الشعبية للمقترح.
-
قطع الطريق أمام أي تعديل مستقبلي قد يمس جوهره دون مسطرة مشددة.
ماذا تعني هذه الخطوة سياسياً؟
إذا صحت المعطيات، فإن المغرب انتقل إلى مرحلة “تقنين الحل”، أي تحويل المقترح إلى وثيقة جاهزة للتنفيذ الدستوري. وهذا يرفع مستوى النقاش من مجرد تفاوض سياسي إلى نقاش حول تفاصيل تطبيقية.
لكن في المقابل، تبقى عدة أسئلة معلقة:
-
هل الجزائر مستعدة للتعامل مع وثيقة بهذا المستوى من التفصيل؟
-
هل تقبل الأطراف الأخرى بصيغة السيادة غير القابلة للتفاوض؟
-
وهل تتحول الوثيقة إلى أساس مفاوضات فعلية أم تبقى أداة ضغط دبلوماسي؟
مرحلة جديدة… لا نهاية النزاع
الوثيقة لم تُنشر رسمياً بعد، وما زالت قيد التطوير. لكن نشر تفاصيلها في الإعلام الإسباني يعكس أن الملف دخل مرحلة حساسة، حيث تتحول المبادرات إلى نصوص، والنوايا إلى بنود قانونية.
المؤكد أن النزاع لم يُحسم بعد، لكن المؤشرات تدل على انتقاله من مربع الشعارات إلى مربع الهندسة الدستورية. وفي هذا التحول يكمن جوهر المرحلة المقبلة: مفاوضات حول “كيف يُطبق الحكم الذاتي”، لا حول “هل يُطرح الحكم الذاتي”.
وهنا يصبح السؤال السياسي المركزي:
هل نحن أمام بداية تسوية تاريخية، أم أمام رفع سقف تفاوضي جديد في صراع طويل؟

