برلمان

ماء العينين تصعّد: هل تحوّل التشريع إلى آلية تصويت عددي بدل أن يكون مجالاً للتوافق؟

في لحظة سياسية دقيقة تقترب فيها الولاية التشريعية من نهايتها، اختارت أمينة ماء العينين رفع سقف خطابها تجاه الحكومة، معتبرة أن مسار التشريع داخل البرلمان بات يُدار بمنطق الغلبة العددية، لا بروح التوافق التي يفترض أن تطبع العمل البرلماني.

انتقاد ماء العينين لا يقف عند حدود مشروع قانون بعينه، بل يمس جوهر العملية التشريعية. فهي ترى أن دعوة الفاعلين إلى تقديم تعديلات عبر البرلمان تصبح بلا معنى حين يُختزل مصير أي تعديل في عبارة واحدة تتكرر في كل جلسة: “الحكومة ترفض التعديل”.
هذا المعطى، في نظرها، يحوّل النقاش التشريعي إلى إجراء شكلي، ما دام القرار النهائي رهيناً بموقف السلطة التنفيذية.

سياسياً، تطرح هذه الانتقادات سؤالاً أعمق حول توازن السلط كما نص عليه دستور 2011. فالفصل 70 يمنح البرلمان سلطة التشريع، غير أن الممارسة العملية تثير – لدى جزء من المعارضة – إشكالاً يتعلق بمدى استقلالية المبادرة التشريعية الفعلية أمام هيمنة الأغلبية الحكومية.

تصعيد ماء العينين يأتي في سياق وطني متوتر:
ملفات اجتماعية مفتوحة، تداعيات فيضانات، اقتراب شهر رمضان بأسئلته الاقتصادية، تحولات إقليمية مرتبطة بملف الحكم الذاتي، وإعلان رئيس الحكومة عدم ترشحه لانتخابات مقبلة. في ظل هذا المشهد، ترى القيادية في العدالة والتنمية أن الأولوية ينبغي أن تكون لامتصاص الاحتقان وبناء جسور الثقة، لا تعميق الخلافات عبر تمرير قوانين تثير جدلاً واسعاً.

غير أن القراءة المقابلة داخل الأغلبية تعتبر أن امتلاكها للأغلبية العددية هو تفويض ديمقراطي واضح يخول لها تمرير مشاريعها الإصلاحية، وأن تعطيل التشريع باسم التوافق قد يُدخل البلاد في حالة جمود مؤسساتي.

هنا تكمن المفارقة:
هل الديمقراطية تُختزل في منطق العدد؟
أم أن روحها الحقيقية تكمن في القدرة على إدارة الاختلاف وبناء أرضيات مشتركة؟

الجدل الذي أثارته ماء العينين يعكس إشكالية أعمق من مجرد تعديل مرفوض؛ إنه يعيد طرح سؤال العلاقة بين البرلمان والحكومة، وحدود تأثير المعارضة في صناعة القرار التشريعي، في مرحلة تتطلب – وفق كثير من المتابعين – قدراً أعلى من الحكمة السياسية والمرونة المؤسساتية.

في النهاية، يبقى الرهان الأساسي ليس فقط تمرير القوانين، بل ترسيخ الثقة في مسارها. فالتشريع الذي يُنظر إليه كأداة فرض قد يحقق نصاً قانونياً، لكنه لا يضمن دائماً شرعية اجتماعية واسعة، وهي الشرعية التي تُعد حجر الزاوية في استقرار أي نظام سياسي.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى