مقالات رأي

“العمق” و العدالة والتنمية: “السبان في البوق” و”الاعتذار في الفيسبوك”

في المشهد السياسي المغربي، يظلعبد الإله بنكيرانشخصية مثيرة للجدل، ليس فقط بسبب مواقفه السياسية، بل أيضاً بسبب أسلوبه الخطابي المباشر الذي كثيراً ما يثير ردود فعل متباينة. غير أن الخلاف الذي نشب بينه وبين جريدة العمق
تجاوز حدود السجال الإعلامي المعتاد، ليصل إلى عتبة القضاء، في سابقة نادرة داخل حزبحزب العدالة والتنمية.

من حوار صحفي إلى أزمة مفتوحة

بدأت القصة بعد بث حلقة من برنامج “نبض العمق” استضافت إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس المجلس الوطني للحزب. الحوار تناول قضايا تنظيمية داخلية، لكنه أثار غضب الأمين العام، الذي عبّر في لقاء حزبي بمدينة فاس عن موقفه بتصريحات حادة اعتبرتها الصحيفة مسيئة لرئيس تحريرها خالد فاتيحي.

ردّ الجريدة لم يكن عادياً. فقد أعلنت إدانتها الرسمية للتصريحات، وقررت اللجوء إلى القضاء بدعوى “السب والقذف والاتهام بالارتشاء”، مطالبة بتعويض مالي، كما أعلنت مقاطعة أنشطة بنكيران، مع التأكيد على استمرار تعاملها المهني مع الحزب كمؤسسة سياسية.

تضامن وانقسام

القضية أثارت تضامناً واسعاً داخل الجسم الصحفي، واعتُبرت اختباراً لحدود الخطاب السياسي تجاه الإعلام. في المقابل، كشفت الأزمة انقساماً داخل الحزب نفسه، إذ عبّرت قيادات بارزة عن رفضها للأسلوب الذي اتُّبع في معالجة الخلاف. وقد تدخل وسطاء، من بينهم مصطفى الرميد ومولاي امحمد الخليفة، لإيجاد مخرج للأزمة.

بعد أسابيع من التصعيد، أعلنت “العمق” سحب الدعوى القضائية وطي الصفحة، دون الكشف عن تفاصيل الوساطة أو ما إذا كان قد صدر اعتذار رسمي أو غير معلن. وهكذا انتقلت الأزمة من مواجهة علنية إلى ما يشبه “هدنة مستقرة”.

ظاهرة التواصل والانفعال

القضية لم تكن معزولة. فالحزب، وخصوصاً قياداته، يعتمد بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، ما يمنح الخطاب السياسي طابعاً مباشراً وسريعاً، لكنه قد يفتقر أحياناً إلى الضبط المؤسسي. هذه الدينامية تخلق فضاءً مفتوحاً للتعبير، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى احتكاكات غير محسوبة.

في حالات سابقة، صدرت تصريحات مثيرة للجدل أعقبها توضيح أو اعتذار، ما يعكس توازناً دقيقاً بين الحفاظ على الحضور القوي في الفضاء الرقمي، وبين الحاجة إلى تجنب الانزلاق نحو خطاب قد يُفهم باعتباره مسيئاً أو غير منضبط.

اختبار العلاقة بين السياسة والإعلام

قضية “العمق” طرحت أسئلة أوسع من مجرد خلاف شخصي. فهي أعادت النقاش حول طبيعة العلاقة بين السياسيين ووسائل الإعلام، وحدود النقد المتبادل، وسبل إدارة الاختلاف في إطار يحترم القانون وكرامة الأطراف.

كما كشفت أن اللجوء إلى القضاء بات خياراً مطروحاً في النزاعات الإعلامية-السياسية، وهو ما قد يشكل سابقة في ضبط العلاقة بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بحرية التعبير والتوازن بين الحق في النقد والحق في السمعة.

هدنة أم فصل مؤجل؟

اليوم، لا توجد مؤشرات على استمرار الصراع العلني بين الطرفين. تواصل الجريدة نشاطها المهني، ويواصل الحزب عمله المعارض، فيما انصرفت الأنظار إلى ملفات سياسية واجتماعية أكثر إلحاحاً. غير أن التجربة تركت أثراً في الذاكرة السياسية والإعلامية، وأعادت رسم “خطوط حمراء” جديدة في التعاطي المتبادل.

هل كانت هذه نهاية الأزمة أم مجرد هدنة ظرفية؟
الإجابة تظل رهينة بتطور العلاقة بين الخطاب السياسي وفضاء الإعلام، وبمدى قدرة الفاعلين على إدارة خلافاتهم في إطار مؤسساتي يوازن بين الحرية والمسؤولية.

ما هو مؤكد أن هذه الواقعة لم تكن مجرد “مناوشة”، بل لحظة كاشفة لطبيعة التحولات التي يعرفها التواصل السياسي في المغرب، حيث الكلمة قد تبدأ في قاعة خطاب، لكنها قد تنتهي في قاعة محكمة.

طه رشيد

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى