ثقافة وهوية

المغرب هذا الأسبوع: زهو بالتراث ووجع الهوية.. مشهد واحد بقطبين

في أسبوع واحد فقط، بدا المغرب وكأنه يعيش زمنين متوازيين.

زمن يحتفل فيه العالم بتراثه، وزمن يطرح فيه المجتمع أسئلة موجعة عن الهوية والعدالة.

مشهد واحد بوجهين.
الأول يصفق له الخارج.
والثاني يهمس به الداخل.

القطب الأول: زهو التراث

في باريس، احتفى كتاب “حِرَف مغربية.. تراث يتجدد” بالحرفي المغربي داخل فضاء ثقافي دولي مرموق.
رسالة واضحة: المغرب لا يصدر الفوسفاط فقط، بل يصدر الجمال أيضاً.

في الرباط، احتضنت الإيسيسكو احتفال “عيد الربيع الصيني”.
رقصات صينية امتزجت بإيقاعات أندلسية في مشهد يعكس انفتاحاً حضارياً هادئاً.

وفي مراكش، يستعد “أسبوع القفطان” تحت شعار “نَفَس الأطلس”.
الهوية الأمازيغية تسير على منصة عرض، وتتحول إلى لغة عالمية.

مغرب واثق من تراثه.
مغرب يعرف كيف يضع ثقافته على منصة الضوء.

القطب الثاني: وجع الهوية

في الدار البيضاء، كان النقاش مختلفاً تماماً.
ملتقى جمعوي رفع شعاراً صادماً:
“طفل بلا هوية… مجتمع بلا مستقبل”.

السؤال بسيط ومؤلم:
ماذا عن الطفل الذي يولد بلا نسب مسجل؟
ماذا عن أم تبحث عن اعتراف قانوني لطفل لا ذنب له؟

نحن نحتفل بالهوية أمام العالم.
لكن داخل المجتمع، هناك من يبحث عن اسم… عن اعتراف… عن كرامة.

بين القطبين: العدالة كخيط ناظم

التراث يمنحنا صورة.
لكن العدالة تمنحنا معنى.

لا يمكن لبلد يتصدر منصات الثقافة أن يتجاهل أسئلة أطفاله.
ولا يمكن للهوية أن تكون قوية إذا شعر بعض أبنائها أنهم خارجها.

النقاش الذي فُتح هذا الأسبوع لم يكن هجوماً على الثوابت.
بل كان محاولة لفهم كيف نحمي الأسرة ونصون حقوق الطفل في آن واحد.

أرقام لا يمكن تجاهلها

التحولات الاجتماعية واضحة:

  • ارتفاع حالات الطلاق خلال العقدين الأخيرين.

  • ضعف مشاركة النساء في سوق العمل.

  • عزوف متزايد عن الزواج لدى فئات من الشباب.

هذه ليست مجرد أرقام.
إنها قصص أسر تتفكك، وأطفال يبحثون عن توازن مفقود.

الهوية بين الثوابت والمتغيرات

الدين واضح في تحريم العلاقات خارج إطار الزواج.
والقيم المجتمعية تقوم على التماسك الأسري.

لكن مسؤوليتنا لا تنتهي عند إصدار الحكم الأخلاقي.
بل تبدأ عند حماية الطفل من تبعات خطأ لم يرتكبه.

الهوية الحقيقية لا تُصنع فقط في قاعات اليونسكو.
بل تُصنع في دفاتر الحالة المدنية، وفي نصوص القوانين، وفي إحساس كل طفل بأنه جزء من الوطن.

خاتمة: المغرب أمام مرآته

هذا الأسبوع لم يكن عادياً.
لقد كشف عن مغرب قوي بثقافته، وقلق بأسئلته.

الرسالة واضحة:

  • التراث بدون عدالة اجتماعية يتحول إلى ديكور.

  • الهوية بدون رحمة تتحول إلى قيد.

المغرب مطالب بأن يبهر أبناءه كما يبهر العالم.
وأن يجعل من إصلاح الأسرة مشروعاً وطنياً، لا مجرد جدل قانوني.

لأن الأمة التي تحتفل بتراثها ولا تضم كل أطفالها تحت جناحيها،
تظل تبحث عن ذاتها… حتى وإن صفّق لها الجميع.

طه رشيد

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى