“معضلة النقل… كيف يأكل التنقل نصف راتب المواطن؟”

التنقل فالمغرب ما بقاش مجرد رحلة قصيرة من الدار للخدمة، ولا من المدرسة للحي، ولا من المدينة للمدينة. التنقل اليوم ولى معركة يومية، كتعرف بدايتها ولكن ما كتعرفش نهايتها، ولى كيسرق من جيوب المواطنين أكثر مما تسرق الضرائب نفسها. بزاف ديال المغاربة كيسولّو: كيفاش يمكن للتنقل فقط… أنه ياخذ نصف الراتب، وأحياناً أكثر؟ وكيفاش ولى المواطن خدام غير باش يتنقل، ماشي باش يعيش؟
اللي كيركب الطوبيس كيعرف المعاناة: الازدحام، التأخير، الطوبيسات اللي كتجي مرة ومرة ما كتجيش، الروائح، الشجار، والزحام اللي كيخلي الناس يتنفسو فوق بعضهم. ورغم كل هاد الظروف، الثمن ديال التذكرة ولى كيطلع بكل هدوء، بلا تبرير، وبلا تحسين للخدمة. المواطن كيدفع… ولكن ما كيشوفش مقابل. وهادشي هو أبشع أنواع الظلم الاقتصادي: أنك تخلص مقابل خدمة ما كتوصلكش أصلاً.
اللي كيركب الطاكسي كيعيش قصة أخرى. فبعض المدن، الطاكسي ولى رفاهية، ماشي وسيلة نقل. الأسعار كتطلع فالصيف، كتطلع فالليل، كتطلع نهار الشتا، وكتطلع غير حيت السائق ضارب مع الزحام وولّى مستعد يرفض الزبناء بلا سبب. المواطن اللي كيخاف يضيع الوقت، كيضطر يخلص، ومع كل رحلة كيتسول: علاش أنا اللي خاصني نتحمل ثمن الفوضى فالتدبير؟ علاش السرعة، الازدحام، غياب المسارات، وغياب التنظيم، كلهم كيتحولوا على شكل ثمن إضافي فالجيبي؟
أما اللي كيتنقلو بين المدن، فقصتهم أكبر. الطاكسيات ديال الخط ولات كتفرض أثمنة خيالية. الناس اللي كيخدمو بعيد على مدنهم ولا مناطقهم ولى عندهم نصف الراتب مخصص غير للطريق. شي واحد كيخدم فمدينة وعايش فمدينة أخرى حيت السكن غالي، ولكن كيكتشف أن النقل هو اللي غالي أكثر. ولى الكثير من الناس كيديرو الحساب ويخرجو بنفس النتيجة: “خدمة بلا نقل” ماشي موجودة فالمغرب… و”نقل بلا خسائر” حتى هو غير موجود.
المعضلة الحقيقية هي أن النقل ماشي ترف، بل ضرورة. المواطن ماشي مخيّر: خاصو يتنقل. الخدمة، الدراسة، العلاج، الحياة كلها مربوطة بالتنقل. ولكن ملي كيولي هاد الشرط الأساسي كيستهلك نصف الدخل، فهنا كنكونو قدام أزمة اقتصادية خطيرة. المواطن كيخدم باش يتنقل، وماشي باش يبني مستقبل، يحوش، يعيش بكرامة، ولا يسمح لولادو يعيشو حياة خير من حياتو.
اللي كيزيد يعقد الوضع هو غياب البدائل. مكايناش شبكة نقل حضرية محترمة، ماكايناش خطة للنقل الجماعي اللي تضمن التنظيم والجودة، ماكايناش رؤية على المدى البعيد. الطوبيسات قديمة، الترامواي محدود، الطاكسيات فوضوية، الطرقات مكتظة، والمدن كتتوسع بلا ما تتوسع معها البنية التحتية. المواطن لقا راسو فوسط دوامة: إما يدفع الثمن الباهظ، وإما يتأخر، وإما يفقد فرص العمل اللي تحتاج الحركة.
والخطير أكثر هو التأثير الاجتماعي. ملي التنقل كيولي عبء اقتصادي، كيتحول حتى لعبء نفسي. الناس كتخرج من ديورهم بالسابعة ديال الصباح، وترجع بالثامنة فالليل… ماشي لأنها كتخدم 12 ساعة، ولكن لأنها كتضيع نصف نهارها فالنقل. هاد الوقت الضائع ولى أكبر سارق لحياة المغاربة. سارق للراحة، للعلاقات الأسرية، للصحة، وحتى للأحلام.
والدولة كتتفرج. تتحدث عن “إصلاح منظومة النقل” و”تنزيل المخطط الوطني”، ولكن المواطن ما كيشوف حتى حاجة فالميدان. فالمغرب، النقل مازال سؤال بلا جواب: شكون مسؤول على هاد الفوضى؟ فين كيمشي ثمن التذاكر اللي كتغلى؟ علاش الجودة ما كتطلعش؟ علاش المواطن دائماً هو اللي كيدفع الثمن؟
التنقل حق، ماشي عبء. والمغرب اللي كيبغي يتقدم خاصو يبدأ من هاد الأساس: نقل إنساني، منظم، رخيص، يحترم المواطن ووقته وجهده.
أما اليوم، فالحقيقة واضحة:
الطريق ولى أطول من الحياة…
والنقل ولى أغلى من الراتب…
والمواطن ولى محاصر بين الخدمة… والطريق… والجيبة اللي كتسالي قبل الشهر.

