MADINA AR

فيضانات آسفي: حين تتحول الكارثة الطبيعية إلى جريمة صامتة

فيضانات آسفي لم تكن حدثًا عابرًا يمكن اختصاره في نشرة جوية أو وصفه بتقلب مناخي مفاجئ. ما جرى كان أثقل من مطر غزير، وأعمق من ظرف طبيعي طارئ. في تلك الليلة، لم تنزل المياه وحدها، بل خرج إلى السطح كل ما ظل مؤجلاً ومسكوتًا عنه لسنوات طويلة، من اختلالات في التدبير، وصمت إداري، وقرارات رجّحت منطق المصالح الاقتصادية على سلامة الناس.

منذ الساعات الأولى، حاول الخطاب الرسمي تقديم ما وقع على أنه نتيجة تساقطات رعدية استثنائية لا يمكن التحكم فيها. غير أن ما عاشه السكان على الأرض كان مختلفًا تمامًا. فالمياه التي اجتاحت الأحياء لم تكن فقط مياه السماء، بل كانت أيضًا نتيجة اختيارات بشرية واضحة، وإهمال متراكم، ومنظومة اعتادت التعامل مع المخاطر بمنطق التأجيل، وكأن الكلفة الإنسانية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى.

آسفي تغرق… 45 ضحية وسيناريو مأساوي بسبب غياب استراتيجية الوقاية | اكسبريس TV

حوض آسفي، الذي أُنجز أساسًا ليخفف من مخاطر الفيضانات ويحمي المدينة، لعب في تلك الليلة دورًا معاكسًا. فقبل أيام قليلة من العاصفة، جرى تفريغ جزء مهم من مياهه في إطار ما وُصف بإجراءات تقنية. القرار بدا في ظاهره إداريًا، لكنه خلق وضعية هشّة. وحين اشتدت الأمطار، تم اللجوء إلى تصريف كميات إضافية من المياه لتفادي الضغط على المنشأة، دون تقدير كافٍ لما يمكن أن تتحمله المدينة الواقعة أسفل الحوض، ولا لما تعرفه بنيتها من ضعف مزمن.

بهذا الشكل، التقت مياه الأمطار القادمة من المرتفعات مع المياه المصروفة من الحوض، لتجد آسفي نفسها أمام تدفق مزدوج لم تكن مهيأة له. خلال دقائق، تحولت الشوارع إلى مجارٍ جارفة، وغمرت المياه أحياء كاملة، وحُوصرت عائلات داخل بيوتها دون إنذار واضح أو توجيه فعلي.

الأكثر إيلامًا أن هذا السيناريو لم يكن مجهولًا. فالتصميم الأولي لحوض آسفي كان يتضمن قنوات طوارئ مخصصة لتوجيه الفائض بعيدًا عن المناطق السكنية. هذه القنوات لم تُلغَ بسبب خطأ تقني أو استحالة هندسية، بل نتيجة قرارات مالية اتُّخذت قبل سنوات، حين فُضّل تقليص الكلفة وتوجيه الميزانيات نحو مشاريع توسعة صناعية. قرار واحد، لكنه راكم مخاطره بصمت، ودفع المواطنون ثمنه لاحقًا بأرواحهم ومنازلهم.

الكارثة لم تبدأ مع سقوط المطر، بل بدأت قبل ذلك بسنوات. في آسفي، بُنيت مساكن فوق مجاري مائية معروفة، وفي مناطق مصنفة رسميًا كمجالات فيضانية. التراخيص مُنحت، والتحذيرات أُهملت، والخرائط عُدّلت، وكأن الخطر يمكن محوه بقلم إداري.

في الوقت نفسه، ظلت شبكة الصرف الصحي في وضع هش. صفقات صيانة وُقعت، وميزانيات رُصدت، لكن حين جاء الامتحان الحقيقي، ظهرت الحقيقة بوضوح. الأنابيب لم تصمد، والمجاري فاضت، والبنية التحتية انهارت بسرعة، مؤكدة أن ما كان يُقدَّم كتهيئة لم يكن سوى حلول جزئية لا تصمد أمام أول اختبار جدي.

الأخطر أن تقارير علمية رسمية كانت قد حذرت مسبقًا من مخاطر فيضانات محتملة، وحددت نقاط الضعف بدقة. هذه التقارير لم تُكذَّب، بل تم تجاهلها في صمت. لم تُعرض للنقاش العمومي، ولم تتحول إلى قرارات وقائية، لأن كلفتها السياسية والمالية كانت أكبر من استعداد المسؤولين لتحملها.

بعد انحسار المياه، كان من الطبيعي أن يُفتح نقاش جدي حول المسؤوليات. غير أن ما حدث أعاد إلى الواجهة نمطًا مألوفًا. ملفات ثقيلة تدخل في بطء المساطر، وحدود غير معلنة تُرسم بين من يمكن مساءلتهم ومن يُفضَّل الابتعاد عنهم. في مثل هذه القضايا، يبدو أن العدالة تشتغل أحيانًا بسرعتين، واحدة سريعة حين يتعلق الأمر بالمواطن البسيط، وأخرى بطيئة حين تمس الملفات فاعلين نافذين.

الإعلام بدوره لم يكن في مستوى اللحظة. بدل البحث في جذور ما حدث وربط الكارثة بالقرارات السابقة، طغت تغطيات عامة، وصور عابرة، وخطاب يركز على التضامن دون مساءلة. محاولات بعض الصحافيين المحليين للحفر في العمق وُوجهت بصعوبات واضحة، في وقت بدا فيه أن إخماد الأسئلة أهم من الإجابة عنها.

وبعد أن غادرت الكاميرات، بقي المتضررون وحدهم. لا مسار واضح للتعويض، ولا اعتراف صريح بأن ما وقع لم يكن مجرد قضاء وقدر. طُلب الصبر بدل الحقوق، وعُرضت مبادرات إحسانية بدل مسارات إنصاف حقيقية، وبدأت معاناة طويلة مع الخسارة والبيروقراطية والنسيان.

ما وقع في آسفي لا يمكن اعتباره استثناءً. هو نموذج يتكرر كلما اجتمعت مشاريع صناعية محمية، وتدبير محلي ضعيف أو متواطئ، وعدالة تتجنب الاقتراب من مراكز النفوذ. في مثل هذه السياقات، لا تصبح الكارثة احتمالًا، بل نتيجة مؤجلة.

فيضانات آسفي لم تكن قدرًا أعمى. كانت حصيلة قرارات، وإهمال، وصمت، وحماية متبادلة بين السلطة والمال. وحين تُغرق الحقيقة، لا يكون غرق المدن سوى مسألة وقت.

وما لم تُفتح هذه الملفات بجرأة، وتُربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء، فلن يكون السؤال إن كانت المأساة ستتكرر، بل أين ستقع، ومتى، ومن سيدفع الثمن في المرة القادمة.

 

5 1 تصويت
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى