
حلول المغرب في المرتبة 84 عالميًا ضمن مؤشر التنافسية المستدامة لسنة 2025 ليس تفصيلاً تقنيًا ولا رقمًا عابرًا في تقرير دولي. إنه حكم سياسي صريح على حصيلة سنوات من السياسات العمومية التي وُعِدت بالإصلاح، وانتهت إلى إدارة الأزمة بدل تجاوزها. هذا الترتيب، القريب من المتوسط العالمي، يعكس بوضوح أن ما سُمِّي “نموذجًا تنمويًا جديدًا” لم يتحول إلى واقع ملموس، بل بقي خطابًا مؤجلاً.
مؤشر التنافسية المستدامة لا يقيس النمو كما تحبه الحكومات، أي أرقامًا معزولة عن المجتمع، بل يقيس قدرة الدولة على خلق الثروة دون سحق الإنسان أو استنزاف الموارد أو تفريغ المؤسسات من معناها. وعندما تفشل السياسات الحكومية في رفع البلاد خارج المنطقة الرمادية، فهذا يعني أن الاختلال بنيوي، لا ظرفي.
الحكومة الحالية تواصل الدفاع عن ميزانيات تُقدَّم على أنها اجتماعية، لكنها في الواقع تكشف خللاً عميقًا في ترتيب الأولويات. مليارات تُصرف على مشاريع بنية تحتية ضخمة، وعلى تحفيزات لفئات اقتصادية محدودة، بينما يظل الاستثمار في التعليم العمومي ضعيف الأثر، والبحث العلمي هامشيًا، والصحة العمومية عاجزة عن ضمان الحق في العلاج. ميزانيات تُوسَّع اسميًا، لكن دون إصلاح سياسي يضمن الحكامة، والمحاسبة، والعدالة في التوزيع.

في التعليم، ما زالت الميزانية تُدار بمنطق الترقيع. لا مشروع حقيقي لبناء رأس مال فكري مستقل، ولا رهان جدي على الابتكار. وفي ظل هذا العجز، من الطبيعي أن يظهر المغرب متأخرًا في مؤشرات المعرفة، مهما جرى الترويج لأرقام التسجيل أو البنايات الجديدة.
في ملف الموارد الطبيعية، تكشف الأرقام فشلًا أخطر. الإجهاد المائي يضرب البلاد، والسياسات الحكومية تواصل التعامل معه كطارئ موسمي، لا كأزمة استراتيجية. ميزانيات تُرصد، لكن دون تصور ديمقراطي يربط الماء بالعدالة المجالية، والفلاحة بالأمن الغذائي، والطاقة بالسيادة البيئية. والنتيجة أن رأس المال الطبيعي يتآكل، بينما يستمر الخطاب الرسمي في تسويق “الانتقال الطاقي” دون انتقال فعلي.
أما كفاءة استخدام الموارد، فتكشف غياب إرادة سياسية للقطع مع اقتصاد الهدر والريع. الاقتصاد الدائري لا يزال شعارًا، والنجاعة الطاقية استثناءً، لأن الخيارات الحكومية تفضّل حماية نماذج إنتاج تقليدية، حتى وإن كانت مدمّرة اجتماعيًا وبيئيًا.
لكن المؤشر يفضح، قبل كل شيء، أزمة الحكامة. الفوارق الاجتماعية تتسع، والهشاشة تتعمق، والثقة في المؤسسات تتراجع. الدولة الاجتماعية التي وُعِد بها المغاربة لم تتجاوز حدود البلاغات. وما دام ربط المسؤولية بالمحاسبة غائبًا، فإن كل زيادة في الميزانية ستتحول إلى رقم بلا أثر.
إن بقاء المغرب في قلب المتوسط العالمي ليس علامة توازن، بل علامة جمود. جمود ناتج عن خيار سياسي واضح: إدارة الاستقرار بدل بناء العدالة، وشراء السلم الاجتماعي بدل تغيير قواعد اللعبة. هذا الخيار قد يؤجل الانفجار، لكنه يعمّق الأزمة.
حركة جيل 212 تعتبر أن هذا الترتيب الدولي ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات حكومية افتقدت الشجاعة. فالتقرير نفسه يؤكد أن الفجوة مع الدول المتقدمة قابلة للردم خلال خمس إلى عشر سنوات. لكن ذلك مشروط بإرادة سياسية حقيقية، تقطع مع الريع، وتعيد توزيع الثروة، وتضع الإنسان، لا الأرقام، في قلب التنمية.
الأرقام اليوم لا تُدين المغرب كشعب، بل تُدين نموذجًا تنمويًا فشل في تحويل الإمكانات إلى حقوق. وما لم تُغيَّر السياسات من جذورها، سيبقى المغرب يدور في نفس الحلقة: ميزانيات كبيرة، نتائج محدودة، وترتيب دولي يفضح هذا الإفلاس بهدوء قاتل.
عن حركة جيل 212

