MADINA AR

آسفي… مدينة تُغرقها المياه ويغرق معها الضمير الرسمي

 

لم تكن آسفي هذا الشهر مجرد مدينة ابتلّ إسفلتها بالأمطار، بل كانت جسدًا كاملاً غارقًا في الألم، يختنق بالماء والإهمال معًا.
في ساعات قليلة، تحولت الشوارع إلى أنهار، والمنازل إلى أفخاخ، والسيارات إلى توابيت حديدية، بينما كان السكان يواجهون مصيرهم وحدهم، بلا إنذار حقيقي، ولا حماية، ولا مسؤول يجرؤ على الوقوف في الواجهة.
المدينة لم تُفاجَأ بالمطر…
آسفي فُوجئت بتخلّي من يفترض أنهم وُضعوا لحمايتها.
معاناة مدينة تُترك لمصيرها
في الأحياء الشعبية، كان المشهد واحدًا:
أمهات يصرخن، أطفال عالقون، شيوخ عاجزون عن الهرب، ومياه موحلة تقتحم البيوت بلا استئذان.
أثاث سنوات، ذكريات عمر، وأمان هشّ… كلّها جرفتها السيول في دقائق.
لكن ما لم تجرفه المياه هو السؤال الأكبر: **أين كانت البنية التحتية؟ أين كانت خطط الوقاية؟ أين ذهبت ميزانيات “تصريف المياه” و”تأهيل الأحياء”؟
صمت رسمي وهروب مُقنّع
بعد الفاجعة، ظهر المسؤولون متأخرين، لا ليعتذروا، بل ليبرروا.
خطابات جاهزة، تحميل المسؤولية “للطبيعة”، ووعود فضفاضة بإصلاحات مؤجلة، بينما الحقيقة واضحة لكل ساكن: هذه الكارثة لم تكن قدَرًا، بل نتيجة تراكم سنوات من الإهمال، وسوء التدبير، وغياب المحاسبة.
لم نسمع استقالة. لم نرَ تحقيقًا شفافًا. لم نلمس تحمّلًا حقيقيًا للمسؤولية.
بل رأينا هروبًا جماعيًا من المسؤولية،كل طرف يشير إلى الآخر، والضحية الوحيدة هي المدينة وسكانها.
آسفي ليست رقماً في تقرير
آسفي ليست خبراً عابراً في نشرة المساء، ولا رقماً في بلاغ رسمي.
هي مدينة منكوبة، ليس فقط بالماء، بل بالإقصاء والتهميش.
ما حدث كشف هشاشة البنية التحتية، لكنه كشف أكثر هشاشة الضمير السياسي والإداري.
كشف أن بعض المسؤولين لا يظهرون إلا في الصور، ويختفون عند المحاسبة.
إلى متى؟
إلى متى ستُدفن الكوارث تحت عبارات “سنفتح تحقيقًا”؟
إلى متى سيبقى المواطن آخر من يُحسب له الحساب؟
وإلى متى ستُترك المدن المغربية تدفع ثمن أخطاء لا تُحاسَب؟
آسفي اليوم تنزف،
والأخطر من السيول…
أن يمرّ كل هذا، وكأن شيئًا لم يكن.
  سفيان بولعروس
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى