نقض إدانة النقيب زيان يعيد طرح سؤال استقلال القضاء

قرار محكمة النقض القاضي بقبول الطعن الذي تقدم به دفاع النقيب محمد زيان، وإعادة ملف إدانته الثانية إلى محكمة الاستئناف بالرباط، لا يمكن قراءته فقط كإجراء قانوني عادي في مسار التقاضي، بل باعتباره لحظة كاشفة تعيد إلى الواجهة سؤالًا مؤجلاً ومقلقًا حول استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة في القضايا ذات الحساسية السياسية والحقوقية.
من حيث الشكل، يشكل قرار النقض اعترافًا ضمنيًا بوجود خلل في الإدانة الثانية التي صدرت في حق النقيب زيان، بعدما أُدين بثلاث سنوات سجناً نافذاً. وهو ما أكده دفاعه حين اعتبر أن هذا القرار يُسقط أي نقاش حول دمج العقوبتين، ما دام الحكم لم يعد نهائيًا، والملف عاد إلى نقطة الصفر. غير أن هذا “التصحيح القضائي”، وإن كان ضروريًا، يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: لماذا استغرق الأمر كل هذا الزمن، وكل هذه المعاناة، قبل الاعتراف بوجود الخلل؟
الأكثر إثارة للقلق في هذا الملف هو أن النقيب زيان، البالغ من العمر 83 سنة، وبعد أن قضى ثلاث سنوات كاملة خلف القضبان في قضيته الأولى، لا يزال رهن الاعتقال الاحتياطي في القضية التي تم نقض حكمها. وضع يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ قرينة البراءة، وحول تحول الاعتقال الاحتياطي، في حالات معينة، إلى عقوبة مقنّعة تُفرض قبل صدور حكم نهائي.
من زاوية حقوقية، لا يمكن فصل هذا الملف عن السياق العام الذي تُدار فيه قضايا الرأي والمعارضة السياسية في المغرب. فمحمد زيان ليس متابعًا عادياً، بل شخصية سياسية وحقوقية بارزة، شغل سابقًا منصب وزير حقوق الإنسان، وعُرف بمواقفه النقدية الحادة تجاه السلطة والمؤسسات. وهو ما يجعل أي متابعة قضائية في حقه محط مساءلة مشروعة حول مدى تحصين القضاء من التأثيرات السياسية.
قبول محكمة النقض للطعن يؤكد أن القضاء، في أعلى درجاته، قادر على تصحيح أخطائه. لكن استقلال القضاء لا يُقاس فقط بالتصحيح المتأخر، بل بمدى تفادي الخطأ أصلًا، وبضمان حقوق المتقاضين منذ لحظة الاعتقال الأولى. فالعدالة التي تأتي بعد سنوات من السجن، لا تمحو كليًا أثر الضرر، ولا تعيد الثقة بسهولة.
كما يعيد هذا القرار فتح النقاش حول دور النيابة العامة، وحدود سلطتها في الإبقاء على متابعين رهن الاعتقال الاحتياطي، رغم توفر بدائل قانونية، ورغم الاعتبارات الإنسانية المرتبطة بالسن والحالة الصحية. فاستمرار الاعتقال في مثل هذه الحالات يضع مبدأ التناسب موضع تساؤل، ويقوض الخطاب الرسمي حول “أنسنة” العدالة.
إن قضية النقيب زيان لم تعد ملفًا شخصيًا، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمصداقية الخطاب الدستوري حول استقلال السلطة القضائية. فإما أن يشكل قرار النقض مدخلًا لتصحيح شامل للمسار، يضمن محاكمة عادلة، علنية، وفي زمن معقول، أو أن يبقى مجرد حلقة جديدة في مسلسل يُغذي الشكوك بدل أن يبددها.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن شخص بقدر ما يتعلق بالدفاع عن مبدأ. مبدأ أن العدالة لا تكون عادلة إلا إذا كانت مستقلة، وأن استقلال القضاء لا يُقاس بالنصوص وحدها، بل بالممارسة، وبقدرة القضاء على حماية الحقوق، حتى – وربما خصوصًا – حين يتعلق الأمر بأصوات مزعجة للسلطة.

