توظيف الجامعة أمنيًا بدل جعلها فضاءً للنقاش

حين تُذكر الجامعة، يُفترض أن يحضر في الذهن فضاء للنقاش الحر، ولتعدد الأفكار، ولتكوين الوعي النقدي. لكن الواقع داخل عدد من الجامعات المغربية اليوم يرسم صورة مغايرة، حيث لم تعد الجامعة تُدار فقط بمنطق أكاديمي، بل أصبح البعد الأمني حاضرًا بقوة، خاصة عند كل تعبير طلابي احتجاجي.
في السنوات الأخيرة، تزايدت حالات الاعتقال والمتابعة القضائية في صفوف الطلبة على خلفية أنشطة نقابية أو احتجاجات سلمية داخل الحرم الجامعي. مطالب اجتماعية وبيداغوجية، مثل تحسين ظروف الدراسة، الولوج إلى السكن الجامعي، صرف المنح، أو رفض الاكتظاظ، تحولت في كثير من الحالات من مواضيع نقاش مشروع إلى ملفات أمنية وقضائية.
هذا التحول لا يمكن اعتباره معزولًا عن السياق العام. فالجامعة، بدل أن تكون فضاءً لاحتواء التوتر الاجتماعي والفكري، أُدرجت ضمن منطق “الضبط” و“الاحتواء الأمني”. الاحتجاج لم يعد يُنظر إليه كآلية تعبير، بل كتهديد محتمل يجب تطويقه بسرعة، حتى وإن كان سلميًا ومنظمًا.
غير أن هذا المنطق لا يعالج أصل المشكلة. فالقضايا الطلابية ليست طارئة ولا مفتعلة. هي نتيجة مباشرة لهشاشة اجتماعية متزايدة، وارتفاع كلفة العيش، وتراجع دور الجامعة في ضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية. الطالب الذي يحتج اليوم، غالبًا ما يفعل ذلك لأنه يواجه انسدادًا في الأفق، سواء خلال مساره الدراسي أو بعد التخرج.
الاعتقال داخل الجامعة لا يقدّم حلولًا. والمتابعة القضائية لا تُصلح التعليم. بل على العكس، تُعمّق الشعور بالظلم، وتخلق قطيعة نفسية وسياسية بين الطلبة والمؤسسات. حين يشعر الطالب أن صوته قد يكلّفه الاستدعاء أو المحاكمة، فإن الجامعة تفقد دورها كفضاء آمن للنقاش، وتتحول إلى مجال صامت ومتوتر.
الأخطر من ذلك أن هذا التوجه يضرب في العمق مبدأ حرية التنظيم والتعبير داخل الجامعة. فالعمل النقابي الطلابي، الذي يفترض أن يكون مدرسة للمواطنة والمشاركة، أصبح محاصرًا، إما عبر المنع، أو التضييق، أو المتابعة. وهو ما يفرغ الحياة الجامعية من بعدها الديمقراطي، ويحوّلها إلى مجرد فضاء تلقين دون روح.
التجربة أثبتت أن الأمن لا يصنع استقرارًا داخل الجامعة. الاستقرار الحقيقي يُبنى بالحوار، وبالإنصات، وبإشراك الطلبة في التفكير في حلول واقعية لمشاكلهم. أما فرض الصمت، فيؤجل الانفجار ولا يمنعه، لأن التراكم يولد الاحتقان.
إن الجامعة التي تُخنق فيها الأصوات، لا تُنتج معرفة حرة، ولا تُكوّن مواطنين فاعلين. بل تُنتج خريجين يحملون شعورًا بالخذلان، وانعدام الثقة، وربما العداء لكل ما هو مؤسساتي. وهذا ثمن سياسي واجتماعي باهظ.
إصلاح الجامعة لا يبدأ بتشديد المراقبة، بل بإعادة الاعتبار لها كفضاء للنقاش الحر والمسؤول. يبدأ بالاعتراف بحق الطلبة في التعبير والتنظيم والاحتجاج السلمي، وبفصل ما هو أمني عما هو أكاديمي. لأن الجامعة، حين تفقد روحها، تفقد المجتمع معها أحد أهم فضاءات إنتاج الوعي.

