MADINA AR

لاسامير: بين مجد الاستقلال الطاقي ومأساة التفكيك… ومن يتحمّل مسؤولية الانهيار؟

لماذا تم إعدام مصفاة “سامير”،

 

لم تكن قصة الشركة المغربية للصناعة والتكرير (سامير) مجرد مسار صناعي انتهى بالإفلاس، بل كانت على امتداد قرن تقريباً مرآة لاختيارات الدولة المغربية في مجال الطاقة، وحدود السيادة الاقتصادية، وكيف يمكن لقرار سياسي واحد أن يحوّل ركيزة استراتيجية إلى عبء، ثم إلى فراغ خطير.

تعود جذور القصة إلى سنة 1919، حين تم اكتشاف أول بئر نفط في شمال إفريقيا بجبل تسلفات، قرب زرهون وسيدي قاسم. هذا الاكتشاف قاد إلى تأسيس الشركة الشريفة للبترول سنة 1929، ثم إنشاء مصفاة سيدي قاسم سنة 1951، التي كانت تغطي آنذاك حوالي 15 في المائة من حاجيات المغرب. وفي سنة 1959، تم ربط هذه المصفاة بمصفاة المحمدية عبر خط أنابيب بطول 200 كيلومتر، بطاقة استيعابية بلغت 1.25 مليون طن سنوياً، في خطوة عكست طموحاً مبكراً لبناء استقلال طاقي وطني.

بعد الاستقلال، تحولت لاسامير إلى رمز للسيادة الاقتصادية. فقد اقترح عبد الرحيم بوعبيد سنة 1958، بشراكة مع شركة ANIC الإيطالية، تطوير المصفاة، وافتُتحت رسمياً سنة 1961. لم يكن المشروع تقنياً فقط، بل رهاناً سياسياً: تكوين أطر مغربية، التحكم في سلسلة التكرير، وتقليص التبعية للخارج. وفي سنة 1974، عيّن الملك الحسن الثاني عبد الرفيع منجور مديراً عاماً، في مرحلة شهدت توسعات كبرى، خاصة بعد صدمة النفط سنة 1973.

بين 1972 و1984، ارتفعت طاقة التكرير بشكل لافت، مع إضافة مليون طن سنة 1972، وأربعة ملايين سنة 1978، ثم وحدة الزيوت الأساسية بطاقة 125 ألف طن سنة 1984. في تلك المرحلة، كانت لاسامير تنتج البنزين، والديزل، والكيروزين، والزفت، وتحقق رقم معاملات يناهز 7 إلى 7.5 مليار درهم، مع أرباح صافية تجاوزت 600 مليون درهم في تسعينيات القرن الماضي، وتوفر بشكل مباشر وغير مباشر ما يقارب 50 ألف منصب شغل.

غير أن المنعطف الحاسم جاء مع خصخصة سنة 1997، حين تم بيع 67.27 في المائة من أسهم الشركة لمجموعة “كورال” المملوكة لرجل الأعمال محمد العمودي. منذ تلك اللحظة، بدأت معالم الخلل البنيوي تظهر: غياب رؤية طاقية وطنية، اعتماد شبه كلي على استيراد الخام من السعودية وإيران، وتراجع الاستثمار في الصيانة والتحديث، رغم أن المصفاة كانت تغطي إلى حدود 90 في المائة من حاجيات المغرب من المحروقات.

اليماني: الحكومة مطالبة بتوضيح موقفها الرسمي من قضية شركة سامير – أنوار بريس

السنوات الموالية كشفت هشاشة هذا النموذج. ففي سنة 2002، تعرّضت المصفاة لحريق كارثي بسبب فيضانات وادي ملح، أسفر عن انفجارات متتالية، مقتل عاملين، خسائر ناهزت 1.5 مليار درهم، وتوقف الإنتاج لما بين 9 و13 شهراً. ورغم ذلك، لم تُستخلص الدروس البنيوية. وفي سنة 2008، توقفت مصفاة سيدي قاسم نهائياً، بينما كانت تقارير رسمية، من بينها تصريحات المديرة السابقة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن أمينة بنخضراء، تشير إلى ضعف الاستكشاف النفطي (4 آبار فقط لكل 10 آلاف كيلومتر مربع)، رغم استثمارات بلغت 5.08 مليار درهم ومشاركة 28 شركة، مع تفاؤل آنذاك بإمكانية إنتاج 55 مليون دولار من 15 بئراً في تسلفات.

سنة 2015 شكّلت لحظة الانهيار الكامل. توقفت لاسامير عن العمل بسبب إشعارات جمركية وديون بلغت 44 مليار درهم، أي حوالي 4.4 مليار دولار، في نفس السنة التي قررت فيها الدولة تحرير أسعار المحروقات. بعدها بسنة، صدر حكم التصفية القضائية، الذي جرى تمديده أكثر من 35 مرة، في سابقة تكشف حجم التردد السياسي والاقتصادي في الحسم في ملف استراتيجي. وخلال هذه المرحلة، توفي النقابي زكرياء أتوفي في ظروف مأساوية، ليصبح الملف أيضاً قضية اجتماعية وإنسانية.

بالتوازي، كانت سوق المحروقات تعرف تحولات مثيرة للجدل. أرباح شركات التوزيع تضاعفت ثلاث مرات منذ تحرير الأسعار، بينما فشل مجلس المنافسة في فرض توازن حقيقي، وتحوّلت السوق إلى مجال احتكار فعلي تتحكم فيه لوبيات قوية، بعضها مرتبط بعائلات سياسية نافذة. في المقابل، استمر نزيف العملة الصعبة، حيث يستورد المغرب محروقات بما يفوق 50 مليار درهم سنوياً، دون أي قدرة داخلية على التكرير أو التخزين الاستراتيجي.

على المستوى القانوني، دخل الملف مرحلة جديدة سنة 2024، حين صدر حكم عن المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID)، بعد مطالبة كورال بتعويض 2.7 مليار دولار، ليُحكم لها في النهاية بـ150 مليون دولار فقط، أي أقل من 6 في المائة من المبلغ المطلوب، مع إعلان وزارة المالية أن الاستئناف لا يزال قيد الدراسة. هذا الحكم أعاد عملياً ملكية المصفاة إلى الدولة، وفتح باب النقاش مجدداً حول إمكانية إعادة التشغيل.

اليوم، يُطرح ملف لاسامير باعتباره فرصة تاريخية ضائعة أو مؤجلة. فحسب خبراء ونقابيين، من بينهم الحسين اليماني، يمكن إعادة تشغيل المصفاة باستثمار يتراوح بين 500 و650 مليون دولار، بطاقة 125 ألف برميل يومياً، وهو ما قد يخفف كلفة الاستيراد، ويعيد التوازن لسوق المحروقات، ويوفر آلاف مناصب الشغل. كما تُطرح مقترحات موازية، من قبيل إحداث وكالة وطنية للطاقة، مراجعة نظام تحرير الأسعار، توحيد الضرائب على المحروقات، ومحاسبة لوبيات الاحتكار، مع إدماج الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لتقليص الكلفة بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة.

قضية لاسامير، في النهاية، ليست مجرد ملف صناعي، بل اختبار حقيقي لخيارات الدولة المغربية: هل تُدار الطاقة بمنطق السوق واللوبيات، أم باعتبارها قطاعاً سيادياً يرتبط بالأمن القومي والعدالة الاجتماعية؟ بين مجد الماضي ومأساة الحاضر، يظل الانفراج ممكناً، لكنه مشروط بإرادة سياسية تقطع مع سوء التدبير، وتعيد الاعتبار لفكرة الاستقلال الطاقي كخيار وطني لا كحنين إلى الماضي.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى