حين يتحوّل الفرح إلى مُخدّر جماعي

في لحظات الفرح العارم، يبدو الشارع المغربي وكأنه يستعيد نبضًا افتقده طويلًا. انتصارات رياضية، استقبال رسمي، رسائل تهنئة، ومشاهد احتفالات تمتد من الأحياء الشعبية إلى الساحات الكبرى. كل شيء يوحي بأن الدولة حريصة على إطالة هذا الشعور قدر الإمكان، وكأن الفرح نفسه أصبح سياسة عمومية غير معلنة، تُستثمر لإراحة النفوس المتعبة وتسكين جراح البؤساء. لكن خلف هذا البريق، يطل سؤال مُلحّ: لماذا يُسمح للتجمهر غير المرخّص حين يكون احتفالًا، بينما يُقمع التجمهر الغير المرخّص حين يكون احتجاجًا؟
في بلدٍ عرف الزلازل والفيضانات والفواجع، اعتاد الناس أن يروا كيف تُطوى صفحات الألم بسرعة، وكيف يُتعامل مع الموت وكأنه تفصيل عابر. تُمحى آثار المأساة من الشاشات، وتُستبدل بصور البسمة والبهجة. وكأن المطلوب دائمًا أن يبقى المواطن في حالة انشغال دائم، بعيدًا عن التفكير في جذور المعاناة أو أسبابها. وعندما يخرج الناس إلى الشارع فرحًا بانتصار رياضي، لا أحد يسأل عن الترخيص. لا أحد يطالب بفضّ التجمهر. بل على العكس، تُفتح الطرق، وتُسخّر القوات لتنظيم المرور، وتُلتقط الصور التي تُظهر “وحدة الشعب” و”التفافه حول الوطن”. هنا يصبح الشارع ملكًا للجميع، ويصبح التجمهر دليلًا على الحيوية الوطنية. لكن حين يخرج المواطن نفسه، في المكان نفسه، ليطالب بأبسط حقوقه، أو ليهتف ضد الفساد، أو ليُذكّر بأن الكرامة ليست شعارًا بل حقًا، يتحوّل المشهد فجأة. تُستحضر لغة المنع، وتُفعّل أدوات القمع، وتُرفع الهراوات بدل الأعلام. يصبح التجمهر “غير قانوني”، ويصبح الصوت “تهديدًا”، ويصبح المواطن “مُشاغبًا”.
المفارقة ليست في القانون، بل في طريقة تطبيقه. فالقانون واحد، لكن القراءة تختلف باختلاف نوع التجمهر: احتفال يُبارَك، واحتجاج يُحاصَر. وكأن الدولة لا تنزعج من الحشود بحد ذاتها، بل من الوعي الذي قد تحمله تلك الحشود حين تتحول من جمهور مُصفّق إلى شعب مُطالب.
إن سياسة الإلهاء ليست مجرد اتهام عابر، بل واقع يلمسه المواطن حين يرى كيف تُفتح الساحات للفرح وتُغلق في وجه المطالب الاجتماعية. وكيف يُشجَّع الناس على الاحتفال، بينما يُعاقَبون على التفكير. وكيف يُستثمر الإنجاز الرياضي لرفع المعنويات، بينما تُهمَّش الملفات التي تمسّ حياة الناس اليومية.
الفرح جميل، بل ضروري. لكن حين يتحوّل إلى مُخدّر، يصبح خطره أكبر من فائدته. والمجتمع الذي لا يُسمح له إلا بالاحتفال، ولا يُسمح له بالاحتجاج، هو مجتمع يُراد له أن يبقى متفرجًا لا فاعلًا، مُصفّقًا لا ناقدًا. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل قارئ: هل نريد وطنًا يفرح فقط، أم وطنًا يفرح ويُحاسب، يحتفل ويُطالب، يرفع الأعلام ويرفع الصوت أيضًا؟
عبد الله البرغوثي

