MADINA AR

مئوية الاستنزاف والبريق الزائف

الذهب الأبيض الذي لا يلمع في بيتنا .. قراءة في 'الأبارتايد' التنموي"

منذ اللحظة التي وطأت فيها أقدام “ألفريد بوجي” أولى رمال مناجم خريبكة في غشت 1921، والمغرب يرهن باطنه ليمنح العالم “إكسير الحياة” والنمو الزراعي. انطلقت الآليات الاستعمارية حينها برؤية تقنوقراطية باردة، تهدف لتحويل “التراب” إلى “ذهب” يغذي خزائن المتروبول، ومع تعاقب العقود، تحول هذا الكيان من مجرد مصلحة إدارية تابعة للحماية الفرنسية إلى عملاق صناعي عابر للقارات يسيطر على مفاصل الأمن الغذائي العالمي. لكن، وبعد مرور أكثر من قرن من الاستخراج المتواصل، يطرح السؤال نفسه بمرارة وسخرية تدمي القلوب: كيف يمكن لشركة تتربع على عرش 70% من احتياطي كوكب الأرض، وتدير ميزانيات تضاهي ميزانيات دول، أن تعجز عن خلق نهضة إنسانية حقيقية في الحواضر التي تحتضن رحيق ثروتها؟ إن الحقيقة المرة التي تحاول التقارير السنوية اللامعة حجبها، هي أن المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) قد نجح بامتياز في هندسة “اقتصاد الواجهة”، لكنه ظل وفياً لعقيدة “القلعة المحصنة”؛ تلك العقيدة التي تكرس الرخاء للأطر والشركاء الدوليين في الداخل، وتترك البؤس والغبار والأمراض الصدرية للساكنة في الخارج، وكأن قدر هذه الساكنة هو أن تعيش فوق الكنز وتفتقر لأبسط مقومات الكرامة.

غياب المسؤولية و استهتار إدارة المكتب الشريف للفوسفاط بأسفي تتسبب في ...

أسطورة “إكس ليبان” المستمرة: من الاستعمار المباشر إلى الاستلاب الاقتصادي

لا يمكن فهم إهمال المكتب للساكنة دون العودة إلى جذور معاهدة “إكس ليبان”. رغم استقلال المغرب، ظلت البنية التحتية للفوسفاط مصممة لخدمة التوازنات الخارجية. وحسب القراءات النقدية، فإن نسبة كبيرة من الأرباح السيادية تظل رهينة معادلات دولية واتفاقيات تقنية معقدة تجعل “القرار الفوسفاطي” موجهاً نحو الأسواق العالمية في الهند والبرازيل ودول أخرى، بدلاً من توجيهه لتنمية الحوض المنجمي. إنها “التبعية المقنعة” التي تجعل من خريبكة واليوسفية مجرد محطات عبور للثروة، لا مراكز لاستيطان التنمية.

سياسة “الجدران العالية”: هل نحن أمام “غيتوهات (Ghettos) ” منجمية؟

يمارس المكتب الشريف للفوسفاط شكلاً من أشكال “الفصل الاجتماعي الهيكلي”. داخل أسوار “الإدارة” و”الأحياء الفوسفاطية”، نجد عالماً مثالياً؛ ففي التعليم الانتقائي، تقدم مدارس “IPSE” والمعاهد التابعة للمكتب تعليماً نخبويًا، لكنه “مغلق” أمام أبناء الساكنة المحلية الذين لا يملكون “رقم التأجير”. هذا يخلق شرخاً نفسياً واجتماعياً؛ طفلان يسكنان في نفس المدينة، أحدهما يدرس في مدرسة مجهزة والآخر في مدرسة عمومية مهترئة، فقط لأن والد الأول “فوسفاطي”. أما في الترفيه المحتكر، تظل النوادي الرياضية، المسابح، والمنشات الثقافية التي مولتها أرباح الأرض، “محرمة” على المواطن العادي، مما يحول هذه المرافق إلى مستفزات بصرية يومية تذكر الساكنة بإقصائهم.

التكلفة البيئية: “نحن نموت بصمت وهم يربحون بصخب”

بينما تتزين التقارير السنوية للمكتب بصور “الطاقة الخضراء” و”الأمونيوم الصديقة للبيئة”، تواجه الساكنة في آسفي ،الجرف الأصفر والمدن المنتجة والمصنعة للمنتوجات ومشتقات الفوسفاط واقعاً “أسود”. ففي ظل الإرهاب البيئي، حولت الانبعاثات الكبريتية والفلورية مدناً ساحلية إلى بؤر للأمراض التنفسية، وبينما يفتخر المكتب بأرباحه المليارية، يبخل ببناء “مستشفى جامعي متخصص” في أمراض الصدر بالمدن المتضررة، مكتفياً بمستوصفات داخلية لأطره. يمتد الأمر إلى اغتيال الأرض والماء؛ إذ إن استنزاف الفرشة المائية لغسل الفوسفاط في مناطق تعاني من “الإجهاد المائي” هو جريمة في حق الأجيال القادمة، حيث فقدت الساكنة المحيطة آبارها وفلاحتها لتستمر “أنابيب اللباب” في ضخ الثروة نحو الموانئ.

جامعة UM6P: “هارفارد” وسط “الخراب” السوسيو-اقتصادي

تمثل جامعة محمد السادس في بن جرير ذروة السخرية. هي تحفة معمارية وعلمية لا غبار عليها، لكن وجودها وسط منطقة تعاني من أعلى نسب البطالة والتهميش يجعلها تبدو كـ “جسم غريب”. إنها جامعة تخرج نخب المستقبل للعالم، بينما شباب المنطقة يجدون أنفسهم “حراس أمن” أو “عمال نظافة” في شركات المناولة التي تلتهم حقوقهم وتمنحهم فتات الأجور.

العبودية المقنعة: نظام “المناولة” كأداة للتهرب من المسؤولية

بدلاً من أن يكون المكتب الرافعة الأساسية للتشغيل، لجأ إلى نظام “المناولة” الخبيث. يقوم المكتب بمنح صفقات لشركات وسيطة تقوم بتشغيل أبناء الساكنة في أصعب الظروف المنجمية وبأجور زهيدة، مما يعفي المكتب من أي مسؤولية قانونية أو اجتماعية تجاه هؤلاء العمال. هذا النظام خلق طبقة من “البروليتاريا البئيسة” التي تعمل داخل المنجم وتعيش تحت خط الفقر.

متى تسقط الأسوار؟

إن المكتب الشريف للفوسفاط مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتمزيق “شرنقة” الأنانية المؤسساتية. إن الاكتفاء بـ “العمل الإحساني” أو “الفتات الاجتماعي” لم يعد كافياً أمام حجم الأرباح الأسطورية. إن السخرية الحقيقية تكمن في أن OCP يعالج ملوحة التربة في أفريقيا، بينما يترك “ملوحة الحقد الاجتماعي” تزداد في قلوب الساكنة. إن التنمية الحقيقية تبدأ بفتح أبواب المدارس والمستشفيات للجميع، وبجعل المواطن المحلي شريكاً في الثروة لا مجرد “متفرج” على ضياعها.

طه رشيد

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى