MADINA AR

قضية نزهة مجدي: حين تتحول العقوبة إلى رسالة تخويف

لم تعد قضية الأستاذة نزهة مجدي مجرد مسطرة قانونية عالقة بين دفاتر القضاء، بل تحولت إلى رسالة سياسية واضحة المعالم: رسالة تقول إن الاحتجاج الاجتماعي، حتى وإن كان سلميًا ومهنيًا، يمكن أن يُستدعى بعد سنوات ليُعاقَب، وأن الذاكرة القضائية لا تنسى من تجرأ على رفع صوته. هنا لا نكون أمام تطبيق محايد للقانون، بل أمام استعماله كأداة ردع مؤجَّل.

إعادة تفعيل حكم يعود إلى احتجاجات سنة 2021، في سياق اجتماعي مختلف، وبعد مسار قضائي طويل، لا يمكن قراءته بمعزل عن المناخ العام الذي يضيق فيه هامش التعبير، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الطاعة لا المشاركة. فالقضية لم تعد: هل الحكم قانوني أم لا؟ بل: لماذا الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا في حق أستاذة تمثل رمزًا لاحتجاج مهني واسع؟

طلب الدفاع تمتيع نزهة مجدي بعقوبة بديلة يضع الخطاب الرسمي حول “إصلاح السياسة العقابية” أمام امتحان حقيقي، لا أمام بلاغات مطمئنة. فالقانون الذي قُدّم كخطوة إنسانية لتقليص الاعتقال، وتفادي آثاره النفسية والاجتماعية، يُختبر اليوم في حالة تتوفر فيها كل الشروط القانونية، ومع ذلك يستمر الاعتقال. هنا يسقط القناع: إما أن العقوبات البديلة أداة عدالة، أو مجرد واجهة تجميلية تُفعّل حين لا يكون للملف ثمن سياسي.

ما يزيد من خطورة الوضع ليس فقط سجن أستاذة، بل الرسالة التي تُبعث إلى آلاف الأساتذة: الاحتجاج قد يكلّفك حريتك، حتى بعد سنوات. هذه الرسالة لا تُنتج استقرارًا، بل خوفًا. لا تُنتج مدرسة مواطِنة، بل مؤسسة صامتة. فالأستاذ الذي يرى زميلته خلف القضبان بسبب احتجاج مهني، لن يعلّم تلامذته معنى الحق، بل معنى الحذر.

الاحتجاجات التي شهدها قطاع التعليم بعد اعتقال نزهة مجدي لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تعبير عن وعي جماعي بأن ملف “التعاقد” لم يُغلق اجتماعيًا، وأن الدولة اختارت إغلاقه إداريًا وقضائيًا دون معالجة أسبابه. إعادة الاعتقال أعادت فتح الجرح، وأكدت أن المقاربة الزجرية ما زالت حاضرة حين تعجز السياسة عن تقديم حلول.

في هذا السياق، تصبح العقوبة البديلة أكثر من إجراء قانوني؛ تصبح اختبارًا للإرادة السياسية. هل هناك استعداد حقيقي للفصل بين الاحتجاج السلمي والجريمة الجنائية؟ أم أن كل فعل جماعي خارج القنوات الرسمية يُصنَّف خطرًا مؤجَّلًا؟ الجواب لا يُقاس بالتصريحات، بل بالقرارات.

إن الإبقاء على اعتقال أستاذة لا تشكل خطرًا على المجتمع، ولا تهديدًا للأمن العام، ولا صاحبة سوابق، هو إصرار على منطق العقاب لا منطق العدالة. وهو إصرار يدفع ثمنه ليس فقط المعتقلون، بل الثقة العامة في المؤسسات، وفي معنى دولة القانون نفسها.

قضية نزهة مجدي اليوم ليست قضية شخص، بل قضية نموذج. نموذج يختبر إلى أي حد يمكن للقانون أن يتحول من ضمانة للحقوق إلى أداة للضبط الاجتماعي. فإذا لم تُفعّل العقوبات البديلة في مثل هذه القضايا، فمتى تُفعّل؟ وإذا لم يُحمَ الاحتجاج السلمي، فأي معنى يبقى للحقوق الدستورية؟

ما يجري اليوم ليس تفصيلًا قضائيًا، بل لحظة كاشفة. لحظة تقول إن الإصلاح لا يُقاس بالنصوص، بل بالشجاعة في تطبيقها حين تكون مكلفة سياسيًا. وأي تأخير في تصحيح هذا المسار لا يزيد إلا في تعميق الهوة بين الدولة ومجتمع يتعلم، مرة أخرى، أن الصمت أكثر أمانًا من المطالبة بالحق.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى