MADINA AR

اقتصاد جاهز على الورق… متعثر على الأرض

ما يكشفه تقرير البنك الدولي لا يضيف معطيات تقنية جديدة بقدر ما يضع توصيفًا دوليًا رسميًا لما يعيشه المغاربة يوميًا: اقتصاد بنصوص جيدة، ومؤسسات عاجزة عن تحويلها إلى واقع منتج. فالمغرب، كما يقر التقرير، راكم خلال السنوات الأخيرة ترسانة قانونية وتنظيمية متقدمة، وطوّر واجهته الإدارية، لكنه فشل في الحلقة الحاسمة: التنفيذ، والنجاعة، والقدرة على تحويل القوانين إلى فرص شغل واستثمار وتنمية متوازنة. تصنيف المغرب ضمن أفضل 40 في المائة عالميًا في الإطار التنظيمي والخدمات العامة قد يبدو، في الظاهر، إنجازًا يُسوَّق سياسيًا، لكنه يخفي مفارقة عميقة. الدولة تكتب القوانين بسرعة، وتُحدّث النصوص، وتُعلن الإصلاحات، لكن حين يصل الأمر إلى التطبيق، تتباطأ الإدارة، تتعقّد المساطر، وتضيع الفعالية. الكفاءة التشغيلية، التي لم تتجاوز 55.71 نقطة، ليست رقمًا معزولًا، بل تعبير عن فجوة مزمنة بين الخطاب والممارسة، بين “الدولة التي تُشرّع” و“الدولة التي تُنفّذ”. الأخطر في تشخيص البنك الدولي هو تركيزه على العنصر البشري، لأنه ينسف سردية شائعة مفادها أن المشكلة في القوانين فقط. التقرير يقول بوضوح: الخلل في الكفاءات، وفي توزيعها، وفي تكوينها. الموارد البشرية المؤهلة متركزة في محور الرباط–الدار البيضاء، بينما تُترك مناطق أخرى، يُفترض أن تكون قاطرة للاستثمار، دون رأسمال بشري قادر على حمل المشاريع. هكذا تتحول الجهوية إلى شعار، وتبقى التنمية محصورة في نفس الجغرافيا، وتفشل الدولة في خلق توازن حقيقي. ميناء طنجة المتوسط يُقدَّم كنموذج ناجح، وهو كذلك، لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود النموذج المغربي. النجاح هنا استثناء لا قاعدة. الرقمنة، التي تُستعمل كعنوان كبير للإصلاح، ما زالت جزئية وانتقائية. بعض القطاعات تُرقمن لأنها مرتبطة بالتجارة الدولية والضغط الخارجي، بينما تبقى قطاعات أخرى أسيرة منطق الورق، والانتظار، والقرار البشري القابل للتعطيل. هذا التفاوت لا يعكس نقصًا في الإمكانيات، بل غياب إرادة لتعميم الإصلاح حين لا يكون تحت أعين المستثمر الأجنبي. إشارة التقرير إلى ضعف استعمال اللغة الإنجليزية داخل الإدارة ليست تفصيلًا لغويًا، بل مؤشر على انغلاق ذهني ومؤسساتي. الاقتصاد العالمي لا ينتظر، والاستثمار لا يتكيف مع خصوصيات بيروقراطية محلية. حين تعجز الإدارة عن التواصل بلغة الأعمال الدولية، فهي لا تعيق المستثمر فقط، بل تعيق نفسها، وتُبقي الاقتصاد في موقع التابع لا الشريك. الأهم في تقرير البنك الدولي هو ما لم يقله صراحة لكنه يلوّح به بوضوح: الإصلاحات الشكلية بلغت سقفها. لم يعد ممكنًا تحسين ترتيب المغرب عبر قوانين جديدة أو منصات رقمية إضافية فقط. ما ينقص هو إصلاح عميق للإدارة، لمنطق التوظيف، للمسؤولية والمحاسبة، ولعلاقة الدولة بالكفاءة. دون ذلك، سيظل المغرب بلدًا “جاهزًا على الورق”، متعثرًا على الأرض. الاقتصاد المغربي لا يعاني من نقص في النصوص، بل من فائض في الخطاب وقلة في النتائج. وتقرير البنك الدولي، رغم لغته الدبلوماسية، يضع الدولة أمام حقيقة محرجة: لا استثمار بدون إدارة فعالة، ولا تنمية بدون كفاءات موزعة بعدالة، ولا إصلاح بدون كسر منطق المركزية والبطء والإفلات من المحاسبة. السؤال الذي يبقى مفتوحًا بعد هذا التقرير ليس ماذا يجب فعله، فذلك معروف منذ سنوات، بل: من يملك الشجاعة السياسية لتحويل هذا التشخيص المتكرر إلى فعل حقيقي؟

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى