MADINA AR

نهب أثري ممنهج جنوب المغرب تحت غطاء “البحث العلمي”

ما تكشفه المعطيات المتداولة حول الأبحاث والتنقيبات الأثرية السرية بجنوب المغرب لا يمكن اختزاله في “خلاف إداري” أو “سوء فهم أكاديمي”، بل يضعنا أمام قضية سيادة ثقافية مكتملة الأركان. نحن أمام نمط متكرر من الممارسات التي استمرت لعقود، جرى خلالها التعامل مع التراث الأثري المغربي باعتباره مجالًا مفتوحًا للالتقاط والجمع، خارج أي رقابة مؤسساتية، وتحت غطاء فضفاض اسمه “البحث العلمي”. الخطير في هذا الملف ليس فقط عدد القطع الأثرية التي يُقدَّر أنها تجاوزت عشرات الآلاف، ولا الامتداد الجغرافي الواسع لهذه التنقيبات من شمال المملكة إلى أقاليمها الجنوبية، بل منطق الاستباحة الذي حكم هذه الممارسات. فحين يُسمح لشخص واحد، دون ترخيص قانوني، بجمع لقى أثرية تعود إلى آلاف السنين، دون توثيق رسمي أو إشراف علمي مغربي، فإننا لا نكون أمام بحث علمي، بل أمام تفريغ صامت للذاكرة المادية للبلاد. التراث الأثري ليس مجرد حجارة أو أدوات قديمة، بل هو سجل سيادي للتاريخ، وأحد أهم عناصر بناء السردية الوطنية. أي مساس به خارج الإطار القانوني والمؤسساتي هو مساس مباشر بالسيادة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالأقاليم الجنوبية، حيث يكتسي كل عنصر تاريخي وحضاري بعدًا سياسيًا ورمزيًا مضاعفًا. هنا يصبح الصمت أو التساهل ليس فقط تقصيرًا إداريًا، بل خطأ استراتيجيًا. الأكثر إثارة للقلق هو توظيف البحث الأثري في اتجاهات سياسوية منحازة، تمس بالوحدة الترابية للمملكة، وتُفرغ العمل الأكاديمي من شرطه الأساسي: الحياد العلمي. حين يتحول “الباحث” إلى طرف سياسي، ويُستعمل الأثر كأداة للتشكيك بدل الفهم، نكون أمام انحراف خطير يستوجب المساءلة، لا التساهل باسم التعاون الأكاديمي أو الانفتاح العلمي. هذا الملف يطرح أسئلة محرجة على الدولة، وبالأخص على وزارة الثقافة والسلطات الترابية. كيف يمكن أن تستمر مثل هذه الممارسات لعقود دون حسم؟ أين كانت آليات المراقبة؟ وأين مصير آلاف القطع التي جُمعت ونُقلت دون علم المؤسسات الوطنية؟ ثم، ما جدوى القوانين إذا لم تُفعّل، خصوصًا في مجال حساس كحماية التراث؟ المطلوب اليوم ليس فقط فتح تحقيق إداري أو قضائي، بل مراجعة شاملة لمنظومة تدبير البحث الأثري بالمغرب. حماية التراث لا تعني الانغلاق، لكنها تقتضي قواعد واضحة: الترخيص، الإشراف، الشراكة المتكافئة، والسيادة الكاملة للمؤسسات الوطنية على كل ما يُستخرج من باطن الأرض. أي تعاون علمي لا يحترم هذه الشروط يجب أن يُعتبر لاغيًا، مهما كانت الجهة أو الاسم. نهب الآثار ليس جريمة ضد الماضي فقط، بل ضد الحاضر والمستقبل. ومن يتساهل فيه، تحت أي ذريعة، يساهم في تفكيك ذاكرة جماعية لا يمكن تعويضها. التراث المغربي ليس مادة للبحث السري، ولا ورقة للمزايدات السياسية، بل ملك جماعي، وحمايته اختبار حقيقي لهيبة الدولة وجدية خطاب السيادة.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى