المحامون الشباب يرفضون استهداف المهنة… ومنظومة العدالة ليست شماعة لفشل الإصلاح

عادت علاقة مهنة المحاماة بمؤسسات القرار القضائي والحكومي إلى واجهة التوتر من جديد، بعد البلاغ الذي أصدرته فيدرالية جمعيات المحامين الشباب بالمغرب، والذي عبّرت فيه عن استيائها من تصريحات منسوبة إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، ومن إشارات وردت في كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية محمد عبد النباوي، معتبرة أن ما يجري لا يندرج في إطار “ملاحظات عادية”، بل يحمل في طياته مساسًا خطيرًا بصورة الدفاع ووظيفته الدستورية داخل منظومة العدالة.
البلاغ، في جوهره، لا يطرح فقط اعتراضًا على جملة أو توصيف، بل يعكس شعورًا متناميًا لدى شريحة واسعة من المحامين الشباب بأن هناك توجّهًا متصاعدًا نحو تحميل المهنة وزر أعطاب العدالة، أو تقديمها للرأي العام كطرف يُعطّل الإصلاح بدل أن يكون عنصرًا من عناصره الأساسية. وهو ما اعتبرته الفيدرالية خروجًا عن الخطاب المؤسساتي الرزين، وإشارة غير مسؤولة تمسّ بكرامة المحامين الشباب بشكل مباشر، حين يتم التلميح إلى “ضعف الكفاءة” أو التعامل معهم كسبب ضمني لضعف مردودية الطعون أو بطء المساطر.
وتزداد حساسية هذه اللحظة لأن النقاش لم يعد مجرد سجال بين المهنيين، بل صار يتقاطع مع ملفات تشريعية كبرى تعيد رسم حدود العلاقة بين الدولة ومهنة المحاماة. فحين تتحدث الفيدرالية عن “استهداف مباشر للمحاماة”، فهي لا تفصل ذلك عن أجواء التوتر التي رافقت مشاريع القوانين المرتبطة بالمهن القضائية، ولا عن الإحساس بأن هناك محاولة لتوسيع منطق التدبير الإداري داخل مجال يفترض أن يقوم على الاستقلالية والضمانات الحقوقية.
في المقابل، قد يرى البعض أن من حق المؤسسات القضائية والتنفيذية أن تنبّه إلى الاختلالات الواقعية داخل المنظومة، وأن تنبّه إلى التراكم الكبير في الملفات، أو إلى مظاهر التضخم في الطعون التي قد تُقدَّم في بعض الحالات دون جدوى قانونية قوية. لكن الإشكال الذي تطرحه الفيدرالية هنا هو أن المعالجة لا ينبغي أن تكون عبر التعميم أو الإيحاء بأن الدفاع هو الحلقة الأضعف، لأن ذلك يهدد التوازن المفترض بين مكوّنات العدالة، ويحوّل النقاش من نقاش إصلاحي إلى مناخ اتهامات يضعف الثقة في المؤسسة القضائية برمتها.
ثم إن الطعن، في التصور الدستوري والحقوقي، ليس إجراءً زائدًا أو رفاهًا قانونيًا، بل حق من الحقوق الأساسية التي تضمن حسن تطبيق القانون، وتمنح المتقاضي فرصة أخرى لإعادة تقييم المسطرة أو الوقائع أو التعليل. وعندما يتحول الطعن إلى موضوع “تنقيص” أو “تلميح سلبي”، فإن الرسالة التي تصل للمواطن ليست تقنية، بل سياسية ونفسية: أن العدالة لم تعد فضاءً لحماية الحقوق، بل صارت مجالًا لإدارة الأرقام وإغلاق الملفات بسرعة.
ما يلفت الانتباه في موقف المحامين الشباب كذلك، هو تأكيدهم أن الإصلاح الحقيقي للعدالة لا يمكن أن يبدأ بتوجيه السهام إلى الدفاع، لأن أعطاب المنظومة أوسع وأعمق من اختزالها في سلوك فئة أو شريحة. فالمشاكل التي يعانيها المواطن في المحاكم ليست مرتبطة فقط بوجود محامٍ أو غيابه، بل تتعلق بالبنية العامة: بطء الإجراءات، تباين الاجتهادات، ضعف الموارد، غياب الحماية الكافية للحقوق في بعض الملفات، وتراكم عوامل تجعل المتقاضي يشعر أحيانًا بأن العدالة مسافة طويلة لا يعرف إن كان سيصلها أم لا.
لهذا، يصبح تحوّل المحاماة إلى “متهم دائم” في خطاب الإصلاح خطرًا مزدوجًا: لأنه يضر بصورة المهنة ويضغط على شبابها، ومن جهة أخرى لأنه يُفرغ النقاش العمومي من جوهره الحقيقي، ويحوّل الأنظار بعيدًا عن السؤال الأساسي: كيف نبني عدالة قوية، مستقلة، فعالة، تحفظ هيبة القضاء وتحمي حقوق المواطن في الوقت نفسه؟
ثم إن الأزمة لا تتعلق فقط بتأويلات خطابية، بل بميزان الثقة الذي بات هشًا داخل الجسم القضائي والحقوقي. لأن الدفاع، مهما اختلفت حوله الآراء، يبقى في نهاية المطاف إحدى الركائز الأساسية لضمان المحاكمة العادلة، وأي محاولة لتقزيم دوره أو تصويره كمجرد عنصر “مزعج” داخل المحاكم، ستؤدي بالضرورة إلى نتائج عكسية، ليس على المهنة فقط، بل على مناخ العدالة في البلد ككل.
وفي ختام هذا النقاش، يبدو واضحًا أن ما يجري ليس مجرد خلاف عابر بين مؤسسة حكومية ومكوّن مهني، بل جزء من احتقان أوسع فرضته النقاشات الجارية حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والذي تحوّل إلى نقطة تماس حساسة داخل منظومة العدالة. فالإضرابات المتتالية وتعليق الخدمات المهنية، مهما كانت مبرراتها، ليست تفصيلاً تقنيًا يمكن تجاوزه بالبلاغات أو بالتصريحات الإعلامية، لأنها تنعكس مباشرة على سير المحاكم وعلى آلاف الملفات العالقة، وتضع المواطن في قلب أزمة لا يد له في صناعتها. المتقاضي الذي ينتظر جلسة، أو حكمًا، أو إنصافًا، لا تعنيه لغة الاتهامات المتبادلة بقدر ما تعنيه النتيجة الواقعية: التأجيل، البطء، وتعميق الإحساس بأن العدالة تتحول إلى مسار متعثر بدل أن تكون ملاذًا نهائيًا للحقوق.
وفي لحظة كهذه، يصبح المطلوب سياسيًا ومؤسساتيًا ليس فقط تهدئة الخطاب، بل إعادة فتح قنوات الحوار الجاد والمسؤول حول إصلاح المهنة وإصلاح العدالة معًا، بعيدًا عن منطق كسب المعركة إعلاميًا أو تحميل طرف بعينه مسؤولية الاختلالات. لأن العدالة، في النهاية، ليست ملعبًا للصراع بين المؤسسات، بل خدمة عمومية يفترض أن تحمي الأمن القضائي للمواطن، وأن تضمن سير المحاكم بانتظام، وأن تجعل الإصلاح مسارًا تراكميًا يربح فيه الجميع… لا أزمة جديدة يدفع ثمنها المتقاضون وحدهم.

