شأن وطني

حكومة بلا روح… حين تصبح “الشرعية” مجرد ورقة وتتحول السياسة إلى خدعة بواجهة رسمية

هناك حكومات تسقط في البرلمان… وهناك حكومات تسقط في الشارع قبل أن يسقطها أي تصويت. تسقط في العيون، في المزاج العام، في الثقة التي تُسحب بصمت. وحين يقول عبد الله بوانو إن حكومة أخنوش “منتهية سياسيًا”، فالقصة ليست بوانو ولا العدالة والتنمية ولا حتى المعارضة… القصة هي أن المغاربة صاروا يلمسون شيئًا أخطر: أن هذه الحكومة لم تعد تحكم، بل تدبّر البقاء.

نعم، قد تكون الحكومة قائمة دستوريًا. قد تكون موجودة رقميًا في الجريدة الرسمية. قد تتوفر على أغلبية تُصفّق داخل البرلمان. لكن السياسة لا تُقاس بالعدد، بل بالنبض. والحكومة التي تفقد نبضها تُصبح مثل جسد يتحرك بالعادة، لا بالإرادة. تُصبح حكومة “حاضرة” في الشكل… وغائبة في المعنى.

والمعنى هنا واضح جدًا:
البلد يغلي… والحكومة تتصرف وكأنها تدير اجتماعًا.

المغاربة يعيشون ضغط الغلاء، ضغط الكراء، ضغط النقل، ضغط القروض، ضغط الصحة والتعليم، ضغط الإحساس بأن المستقبل صار أثقل من القدرة على حمله. في المقابل، الحكومة تظهر بمزاج بارد، تُكثر من لغة “الإنجازات”، لكنها تفشل في إنجاز الشيء الوحيد الذي يعطي لأي حكومة حق البقاء سياسيًا: أن تقنع الناس أنها معهم، لا فوقهم.

والمشكل ليس فقط أن الحكومة “فشلت” في الملفات الاجتماعية… بل أنها فشلت في الظهور كحكومة تمثل الدولة بمعناها العميق. لأن الدولة ليست مجرد إدارة، والديمقراطية ليست مجرد مواعيد انتخابية. الدولة هي ثقة، وطمأنينة، وإحساس بأن هناك جهة تتحمل المسؤولية بدل أن تبحث عن مخرج لغوي في كل أزمة.

لهذا السبب، حين تُوصف حكومة بأنها “منتهية سياسيًا”، فالأمر ليس سبّة ولا شتيمة سياسية… بل وصف لمرحلة: مرحلة حكومة فقدت شرعيتها المعنوية، وأصبحت تستند فقط إلى شرعية تقنية.

والفرق بينهما خطير.

الشرعية التقنية تعني: نحن هنا لأننا نملك الأغلبية.
أما الشرعية السياسية فتعني: نحن هنا لأن الناس يصدقون أننا نستحق.

وهنا بالضبط تُطرح المشكلة التي لا يريد أحد الاعتراف بها:
هذه الحكومة لم تعد تقنع أحدًا… وحتى من يدافع عنها، يدافع بمنطق “أقل ضرر”، لا بمنطق “أفضل خيار”.

الأخطر من ذلك أن حكومة أخنوش لم تعد تُواجه فقط نقد المعارضة، بل تُواجه انسحاب الناس من السياسة نفسها. وهذا الانسحاب هو حكم بالإعدام على كل شيء: على الانتخابات، على البرامج، على الشعارات، وعلى فكرة الإصلاح التدريجي التي يتم بيعها منذ سنوات.

حين لا يثق المواطن في السياسة، لا يعود يسأل عن الحكومة فقط… بل يسأل عن النظام الحزبي كله.

بوانو يعيد النقاش إلى انتخابات 2021 وما شابها من اختلالات حسب تعبيره، ويقول إن الحكومة “خرجت من الخيمة مائلة”. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بجرأة أكبر:
ليس المهم إن كانت الخيمة مائلة… المهم أن المغاربة يشعرون بأن الخيمة تُبنى فوق رؤوسهم، لا لأجلهم.

المشهد السياسي اليوم صار شبيهًا بمسرحية تُعرض على الناس دون أن يكون لهم حق تغيير النص. حكومات تتبدل، الوجوه تتغير، لكن الإحساس العام ثابت: لا شيء يتغير في العمق، وكل شيء يدور داخل حلقة مغلقة.

والغريب أن الحكومة بدل أن تفهم خطورة هذا الإحساس… تتعامل معه كأنه مجرد “تشويش” أو “مزاج شعبي” أو “حملات”. وكأن المواطن عندما يصرخ من ضغط المعيشة، فهو يبالغ. وكأن الاحتقان لا يعني شيئًا.

لكن الاحتقان لا يختفي بالتجاهل.
الاحتقان يتراكم.
ثم ينفجر.

واليوم، المؤشرات كلها تقول إننا لسنا أمام اختلاف سياسي طبيعي، بل أمام أزمة تمثيل. أزمة تقول إن المواطن لم يعد يرى في الحكومة من يمثل آلامه، ولا يرى في البرلمان من يحميه، ولا يرى في السياسة وسيلة لتغيير حقيقي.

هنا يصبح السؤال أخطر من “هل حكومة أخنوش منتهية سياسيًا؟”

السؤال الحقيقي هو:
هل السياسة في المغرب نفسها تقترب من النهاية في وعي الناس؟

لأن حكومة بلا روح لا تقتل نفسها فقط… بل تقتل الأمل في صناديق الاقتراع. تقتل فكرة الإصلاح. تقتل معنى المشاركة. وتفتح الباب أمام بدائل لا تُصنع في المؤسسات، بل تُصنع في الشارع، أو في الفوضى، أو في اللامبالاة القاتلة.

وحتى المعارضة ليست بريئة من هذا الوضع.

العدالة والتنمية حين يهاجم الحكومة اليوم، يفعل ذلك من موقع المتضرر سياسيًا، لكنه يعلم أن جزءًا من الشارع لا ينسى سنوات حكمه ولا ينسى خيباته ولا ينسى كيف كانت نفس الجمل تُقال بنفس الحماس ثم تنتهي بنفس الإحباط. لذلك، المعارضة لا يكفي أن تصرخ ضد الحكومة… بل عليها أن تقدم ضمانة تاريخية أنها لن تعيد إنتاج نفس الدورة القديمة.

لأن الشعب لم يعد يثق في “المعارضة” كوظيفة.
الشعب يريد مشروعًا، لا صراخًا.
يريد وضوحًا، لا خطابًا انتخابيًا مبكرًا.
يريد من يجرؤ على قول الحقيقة كاملة: أن أزمة المغرب اليوم ليست أزمة شخص، بل أزمة نظام سياسي يستهلك نفسه بنفسه.

المغرب بالفعل حقق مشاريع كبرى وبنيات تحتية تُحسب له. لكن البنية التحتية لا تمنح الشرعية وحدها. ما يمنح الشرعية هو الإنسان الذي يشعر أنه محترم، مسموع، غير مسحوق، وأن الدولة ليست ماكينة تقارير بل حضن سياسي واجتماعي يحميه.

لهذا، حين يخرج سياسي ويقول إن الحكومة “منتهية سياسيًا”، فهو في العمق يقول شيئًا أكبر: أن البلد يعيش اختناقًا سياسيًا، وأن الحكومة لم تعد جزءًا من الحل… بل أصبحت جزءًا من المشكلة.

وفي النهاية، الحكومة قد تستمر حتى آخر دقيقة قانونيًا… لكن هذا لا يعني أنها انتصرت.

بل يعني فقط أن المغرب يعيش لحظة خطيرة:
لحظة تصبح فيها السياسة واجهة… ويصبح الحكم مجرد إدارة للأزمة.

وحين تصل دولة إلى هذه النقطة، فإن الخطر ليس سقوط حكومة…
الخطر هو سقوط الثقة.

والثقة حين تسقط… لا تعود بسهولة.

حمدون القراص

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى