MADINA AR

نهائي الرباط لم يكن مباراة… كان “كمينًا” لإسقاط المغرب نفسيًا قبل إسقاطه رياضيًا

في الرباط، لم نخسر نهائيًا فقط… نحن شاهدنا كيف يمكن لمباراة كرة قدم أن تتحول إلى ساحة تصفية حسابات معنوية، وإلى اختبار لقوة بلد بأكمله في التحكم في الأعصاب والرموز، لا فقط في التحكم في الكرة. لأن ما جرى في نهائي كأس إفريقيا للأمم لم يكن مجرد مباراة انتهت بهدف، بل كان مشهدًا متكاملًا من الضغط والاستفزاز والابتزاز العاطفي… وكأن الرسالة كانت واضحة منذ البداية: “لن نفوز عليكم داخل الملعب فقط… سنحاول كسر صورتكم أمام العالم أيضًا”.

المغرب دخل النهائي بملعب ممتلئ وبحلم قديم ينتظر لحظة تتويج على أرضه، وبجيل من اللاعبين الذين جاؤوا ليكتبوا صفحة جديدة في تاريخ الكرة المغربية. لكن الطرف الآخر لم يدخل بروح “عرس إفريقي” كما يُفترض في نهائي قاري، بل دخل وهو يضع خطة معركة نفسية قبل أن يضع خطة لعب. وهذا هو الفرق الذي لم يقرأه كثيرون: هناك منتخبات تلعب للفوز… وهناك من يلعب ليصنع الفوضى ثم يبني عليها فوزه.

منذ ما قبل صافرة البداية، بدأ الضجيج. بيانات، شكاوى، تشكيك في التنظيم، احتجاجات على الفندق، حديث عن التذاكر وعن ملعب التداريب وعن “سلامة اللاعبين”، وكأن النهائي كان ناقصًا فقط أن يُرفق برسالة رسمية تقول: “إذا خسرنا سنقول إننا خسرنا بسبب المغرب”. هذا النوع من التمهيد ليس بريئًا في كرة القدم الحديثة، لأنه يصنع أرضية جاهزة لتبرير أي تصرف لاحق، ويؤسس لفكرة أن الخصم فائز قبل أن يلعب، وأن ما سيحدث داخل الملعب “مؤامرة محتملة” لا مباراة تُحسم بالعرق.

ثم جاءت اللحظة التي كشفت كل شيء: قرار الحكم بعد العودة للـVAR ومنح ضربة جزاء للمغرب. هنا بالضبط، انفجرت الخطة التي كانت تنتظر شرارة. بدل الاحتجاج في حدود الرياضة، شاهدنا سلوكًا غير قابل للتبرير: مغادرة أرضية الملعب في لحظة حاسمة، محاولة شل المباراة وإرباك الإيقاع، والضغط على الحكم، وجرّ التنظيم إلى فوضى مقصودة.

هذا ليس اعتراضًا. هذا ابتزاز تحت الأضواء.

وفي المدرجات… لم يكن الأمر أفضل. محاولة اقتحام أرضية الملعب ليست “حماسًا”، ولا يمكن تقديمها كجزء من روح المنافسة. اقتحام الملعب في نهائي قاري، وفي لحظة تنفيذ ضربة جزاء، هو محاولة مباشرة لتحويل التوتر إلى سلاح. هو شكل من أشكال الإرهاب الرمزي داخل الرياضة: أن تجعل الخصم يرتجف لا لأنه ضعيف، بل لأنك تحوّل الفضاء الرياضي إلى فوضى.

وهنا نحن لا نتحدث عن فلتان عابر، بل عن صورة حاولت أن تسرق من المغرب أجمل ما بناه في هذه البطولة: صورة بلد قادر على التنظيم، وعلى الاستضافة، وعلى تقديم إفريقيا بأفضل شكل. كان هناك من يريد أن يخرج العالم من النهائي وهو لا يتذكر كرة ولا أهدافًا… بل يتذكر مشاهد توتر وسقوط أعصاب.

ولهذا، فالهزيمة لم تكن فقط ضياع لقب… بل كانت ضياع لحظة كان يمكن أن تكون واحدة من أنظف لحظات التتويج في تاريخ القارة.

المغرب لم يُهزم لأنه أقل كرة، ولا لأنه أقل قيمة. المغرب سقط لأن التفاصيل الصغيرة خانته في أكثر لحظة حساسة: ضربة جزاء ضائعة، فرصة قريبة لم تُستثمر، دقائق إضافية لم تبتسم، وهدف من هجمة سريعة أنهى كل شيء. لكن الأهم من التفاصيل التقنية، هو أن المغرب كان مطالبًا أن يلعب ضد خصم… وضد “مناخ” كامل تم صناعته ضده.

وهذا المناخ ليس جديدًا على كرة القدم. في نهائيات العالم، وفي بطولات أوروبا، وفي كل منافسة كبيرة، نرى كيف يمكن لفريق أن يصنع ضغطًا نفسيًا ويستثمر التحكيم والإعلام والتوتر الجماهيري. الفرق أن المغرب لم يكن يلعب فقط نهائيًا… كان يلعب صورة دولة تحت المجهر، أمام عدسات تراقب كل حركة وكل خطأ وكل رد فعل.

ورغم ذلك، هناك شيء يجب ألا نضيعه وسط الحزن: المغرب لم يخسر احترامه. لم يخسر قيمته. لم يخسر مكانته كمنتخب كبير. لأن الفريق الذي يصل النهائي على أرضه ويقاتل حتى الدقيقة الأخيرة… ليس فريقًا صغيرًا ولا مشروعًا عابرًا.

لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: “لماذا ضاعت ضربة الجزاء؟”
بل: لماذا أصبح بعض الخصوم يعتبرون أن الطريق للفوز على المغرب يمر عبر الفوضى؟

هذا السؤال أكبر من المباراة. لأنه يرتبط بتحول المغرب إلى قوة كروية إفريقية بامتداد عالمي. المغرب لم يعد منتخبًا يشارك ليجرّب… المغرب أصبح منتخبًا يُخاف منه. وحين تُخاف منك، يبدأ البعض في استهداف أعصابك قبل قدمك، وصورتك قبل نتيجتك.

ثم هناك سؤال آخر أكثر إحراجًا: هل يمكن لكرة القدم الإفريقية أن تتطور وهي تسمح بمثل هذه المشاهد؟
هل بطولة تُقدَّم للعالم كواجهة للقارة يمكن أن تستمر إذا كان البعض يعتقد أن الانسحاب من أرضية الملعب “حق”، وأن اقتحام الجمهور للملعب “تفاصيل”، وأن شل النهائي “أسلوب ضغط مشروع”؟

هذه ليست كرة القدم التي نريدها. ولا هي إفريقيا التي نحلم بها.

المغرب استضاف، نظم، رفع سقف البطولة، قدّم ملاعب وتجهيزات واحترافية، وفتح قلوبه قبل بوابات ملاعبه. وما حدث في النهائي لم يكن مجرد فوضى لحظة… كان محاولة لضرب هذه الصورة في آخر دقيقة، كأن هناك من أراد أن يقول للمغرب: “حتى لو بنيتم كل شيء… سنفسد عليكم النهاية”.

لكن النهاية لا تُكتب بهدف واحد، ولا بلقب واحد. النهاية تُكتب بما يحدث بعد السقوط.
المغرب اليوم مطالب بأن يُحوّل هذه اللحظة من جرح إلى درس، ومن حزن إلى خطوة جديدة. لأنه إذا كان اللقب ضاع… فشيء آخر ربحناه، وهو أننا فهمنا أن المنافسة لم تعد بسيطة، وأن الطريق نحو القمة مليء بمحاولات التشويش والكسر.

نهائي الرباط لم يكن مباراة… كان كمينًا.
لكن المغرب، رغم كل شيء، بقي واقفًا.
والأهم: بقي كبيرًا… حتى وهو يخسر.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى