الحكومة تُصدر كتاب “مسار الإنجازات”… والمواطن يقرأ فصول “واقع الانتكاسات”

ماذا يحدث عندما تتحول “الحقائق” التي تزفها السلطة في كتب فاخرة، إلى “فصول من المعاناة” يقلبها المواطن في حياته اليومية؟ كيف يمكن لبلد أن يعلن عن “انتقالات كبرى” في كتاب، بينما تعيش شوارعه “انتكاسات صغرى” في التعليم والصحة والبطالة؟ أمامنا لغز سياسي: “مسار الإنجازات” الذي صدر بقصر المؤتمرات، و”مسار الانتكاسات” الذي يُقاس في بيوت المواطنين. أيهما نصدق: حبر الوثيقة الرسمية، أم واقع المؤشرات العالمية؟
مفارقات الكتاب بين “ادعاء الإنجاز” و”مقياس الانتكاس”
المشكلة ليست في فكرة التوثيق، بل في الفجوة الهائلة بين ما يُعتبر “إنجازاً” في الخطاب السياسي، وما يُقاس كـ”تراجع” في تقارير الكرامة الإنسانية والتنمية. لنعرض هذه المفارقات كما ترصدها المؤشرات العالمية والمحلية.
المفارقة الأولى: “الانتقال الاجتماعي” أم “تكريس الهشاشة الاجتماعية”؟
· ما في الكتاب: يُروَّج لـ”الدولة الاجتماعية” و”الحماية” كإنجاز.(حسب رئيس حزب القائد للحكومة).
· الانتكاسة الواقعية بالمؤشرات:
· البطالة: بلغ معدلها الرسمي 13.1% في الربع الثالث من 2025 (ويتجاوز 21% لدى خريجي التعليم العالي حسب بعض التقديرات). كيف يكون هناك “إنجاز اجتماعي” مع بقاء جيل كامل في دوامة الانتظار؟
· القدرة الشرائية: أزمة غلاء المعيشة هي الشغل الشاغل للمواطن، بينما لا يجد لها حيزاً في فصول الكتاب. الإنجاز الحقيقي هو أن يعيش المواطن بكرامة، لا أن يسمع عن “مؤشرات نمو” لا تلمس جيبه.
المفارقة الثانية: “الاستثمار في المستقبل” أم “تآكل رأس المال البشري”؟
· ما في الكتاب: يُشار إلى الاستثمار في البنى التحتية والمشاريع الكبرى.
· الانتكاسة الواقعية بالمؤشرات:
· التعليم: جاء المغرب في المرتبة 98 عالمياً في مؤشر المعرفة 2024. متوسط سنوات الدراسة لا يتجاوز 6.4 سنوات. الاستثمار الحقيقي هو في عقل المواطن، قبل استثمار المليارات في الملاعب.
· الصحة: لا يزال حوالي 8.8 مليون مغربي خارج التغطية الصحية، وتبلغ نسبة الإنفاق الصحي من جيب المواطن أكثر من 50%. كيف يكون هناك “تقدم” صحي حين يظل المواطن يخاف من فاتورة الطبيب؟
المفارقة الثالثة: “الحكامة الجيدة” أم “تطبيع الفساد”؟
· ما في الكتاب: يُطرح خطاب الشفافية والحكامة.
· الانتكاسة الواقعية بالمؤشرات:
· مكافحة الفساد: تراجع المغرب في مؤشر مدركات الفساد إلى المرتبة 99 عالمياً عام 2024، بعد أن خسر 26 مركزاً منذ 2018. هل يمكن الحديث عن “إنجاز” في الحكامة مع ترتيب متدهور بهذا الشكل؟
المفارقة الرابعة: “الرهان البيئي” أم “استنزاف رأس المال الطبيعي”؟
· ما في الكتاب: التركيز على الاستراتيجيات المائية والطاقية.
· الانتكاسة الواقعية بالمؤشرات:
· الطبيعة والمواطن: لا تكفي مشاريع التحلية والطاقات المتجددة لتعويض استمرار استنزاف المياه الجوفية أو التلوث الذي يعيشه المواطن أمام مصانع دون رقابة صارمة. الحق في بيئة سليمة جزء من كرامة المواطن.
في النهاية، يعيدنا السؤال إلى نقطة البداية. العنوان “الحكومة تُصدر كتاب ‘مسار الإنجازات’… والمواطن يقرأ فصول ‘واقع الانتكاسات'” ليس مجرد تعبير أدبي، بل هو التعبير الأصدق عن حالة الازدواجية التي يعيشها المغرب اليوم.
· الكتاب يمثل “السردية الرسمية” التي تختار الوقائع وتصيغها في قالب الانتصار.
· الواقع يمثل “السردية الشعبية” التي تقيس الأمور بمقياس بسيط: هل عائلتي في صحة جيدة؟ هل أبنائي يتعلمون بجودة؟ هل أجِد عملاً يحفظ كرامتي؟ هل أستطيع تدبير شؤون منزلي دون قلق الغد؟
المفارقات التي عرضناها ليست أرقاماً جامدة؛ إنها ترجمة لـ “فصول المعاناة” التي يقرأها المواطن يومياً في مستشفى مزدحم، في مدرسة غير مجهزة، في طابور البحث عن عمل، وفي ورقة الفاتورة التي تأكل راتبه. الحكومة قد تُصدر الكتب، ولكن المواطن هو من يكتب “التاريخ الحقيقي” لتلك المرحلة بمذكرات الألم والأمل.
عندما يصبح “مسار الإنجازات” حبراً على ورق، و “واقع الانتكاسات” جرحاً في الجسد الاجتماعي، فإن مهمة الناقد والمفكر والمواطن هي أن يصرخ: “اقرأوا معي فصول الحياة، قبل أن تفرحوا بفصول الكتاب!”.
طه رشيد

