جيل زد بين خطاب التمكين وواقع الإقصاء: أي تنمية تُبنى على الصمت؟

يُقدَّم “جيل زد” في المغرب ومنطقة الشرق الأوسط، في عدد متزايد من التقارير والتحليلات الدولية، باعتباره رافعة محتملة لنمو شامل وأكثر عدالة، وجيلًا يمتلك من الوعي الرقمي والقدرة التقنية والانفتاح العالمي ما يؤهله للقيام بدور محوري في التحول الاقتصادي والاجتماعي. هذا التصور، كما عبّر عنه تحليل مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، يضع الشباب في قلب الأجندة التنموية الجديدة، ويعتبر انخراطهم أصلًا استراتيجيًا لا مصدر قلق. غير أن هذه الصورة، على أهميتها، تبقى ناقصة إذا لم تُقارب بقدر كافٍ من النقد، وإذا لم تُربط بالواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيش فيه هذا الجيل فعليًا.
لا شك أن جيل زد هو الأكثر اتصالًا بالعالم، والأكثر اطلاعًا على الفوارق، والأكثر قدرة على المقارنة بين الخطاب والواقع. وهو جيل لم يعد يقبل بسهولة أن يُختزل في أرقام البطالة أو في شعارات التمكين الرقمي. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذا الجيل نفسه، الذي يُشاد به في التقارير الدولية، يوجد جزء منه في المغرب وفي دول أخرى بالمنطقة خلف القضبان، بسبب تعبيره السلمي عن الرأي، أو بسبب انخراطه في نقاشات عمومية اعتُبرت غير مرغوب فيها، أو بسبب نشاطه الرقمي الذي خرج عن حدود المسموح سياسيًا.
هنا، يبرز التناقض بوضوح بين خطاب رسمي ودولي يتحدث عن “إدماج الشباب” و”تحويل الضغط الديموغرافي إلى فرصة”، وبين واقع يومي يواجه فيه شباب من نفس الجيل أشكالًا مختلفة من التضييق، والمتابعة، والاعتقال. هذا التناقض لا يمكن تجاوزه بالحديث عن برامج اجتماعية أو إصلاحات تقنية فقط، لأن التنمية، في جوهرها، ليست مسألة أرقام أو بنى تحتية فحسب، بل مسألة ثقة، وكرامة، وفضاء آمن للتعبير والمشاركة.
الإشادة بالتجربة المغربية في مجالات مثل تعميم الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية، وإصلاح نظام الدعم عبر السجل الاجتماعي الموحد، تبقى عناصر مهمة ولا يمكن إنكار قيمتها. غير أن هذه الإصلاحات، مهما بلغت من الأهمية، لا تُعفي من مساءلة السياق السياسي الذي تُنفذ فيه. فجيل زد، الذي يُراد له أن يكون محركًا للنمو، لا يتحرك في فراغ اقتصادي فقط، بل في فضاء سياسي واجتماعي يحدد حدود مشاركته، ويضع سقفًا لصوته.
التحليل الذي يقدمه صندوق النقد الدولي يتحدث عن جيل لا يدعو إلى الفوضى، بل إلى الإدماج. وهذه نقطة دقيقة تستحق التوقف عندها. فإذا كان هذا الجيل يسعى إلى الإدماج، فلماذا يُواجَه جزء منه بمنطق الردع بدل الاحتواء؟ ولماذا يُنظر إلى احتجاجه أو نقده أو حماسه السياسي أحيانًا باعتباره تهديدًا، لا تعبيرًا عن مواطنة ناشئة تبحث عن موقع داخل المجال العام؟
التحول الرقمي، الذي يُقدم كرافعة أساسية لتمكين الشباب، يتحول في هذه الحالة إلى سيف ذي حدين. فمن جهة، يُفتح المجال أمام المبادرة، وريادة الأعمال، والابتكار. ومن جهة أخرى، يُصبح الفضاء الرقمي نفسه مجالًا للمراقبة، والمتابعة، والعقاب، حين يتجاوز حدود الاقتصاد إلى السياسة، أو من التنمية إلى السؤال الحقوقي. هذه المفارقة تُفرغ جزءًا من خطاب التمكين من مضمونه، وتجعل الشباب يعيشون حالة انفصام بين ما يُقال لهم وما يُمارس عليهم.
لا يمكن لأي نموذج تنموي أن يكون شاملًا فعليًا إذا كان يتعامل مع الشباب باعتبارهم طاقة اقتصادية فقط، لا فاعلين اجتماعيين وسياسيين كاملين. فالتنمية التي لا تتسع للنقد، ولا تتحمل صوت الاختلاف، ولا تدمج المشاركة السياسية السلمية في تصورها، تظل تنمية هشة، مهما حسنت نواياها أو دقة أدواتها التقنية.
الإشارة إلى “نداء مراكش” وإلى جعل النمو الشامل أولوية سياسية تطرح بدورها سؤال التنفيذ. فالأولوية لا تُقاس بما يُكتب في الوثائق، بل بما يُعاش على الأرض. وجيل زد، بحكم وعيه الرقمي وسرعة تواصله، هو أول من يكتشف الفجوة بين الخطاب والممارسة، وأول من يفقد الثقة حين يشعر أن المطلوب منه هو الابتكار دون مساءلة، والعمل دون صوت، والمشاركة الاقتصادية دون حق في التعبير.
إن الحديث عن “اللحظة المواتية للعمل” يظل حديثًا ناقصًا إذا لم يُرفق بسؤال الحرية، وبملف المعتقلين من هذا الجيل، وبإعادة النظر في العلاقة بين الدولة وشبابها. فالشباب لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل يطلبون فقط أن لا يُعاقَبوا على طرح الأسئلة، ولا يُدفعوا ثمنًا مضاعفًا لكونهم أكثر وعيًا وأكثر اتصالًا بالعالم.
في النهاية، جيل زد ليس فقط فرصة تنموية، بل مرآة صادقة لما نحن مستعدون لتغييره فعلًا. إما أن نراه شريكًا كاملًا في بناء المستقبل، بما في ذلك حقه في التعبير والمساءلة، أو نستمر في تمجيده في التقارير، وتهميشه في الواقع. وبين هذين الخيارين، تتحدد مصداقية أي مشروع تنموي يدّعي الشمول والاستدامة.
بنبركة

