MADINA AR

بيع السمك خارج القانون: حين تتحول الثروة البحرية إلى اقتصاد ظل برعاية الصمت

إثارة موضوع بيع الأسماك في عرض البحر خارج القنوات القانونية للتسويق داخل البرلمان ليست حدثًا معزولًا ولا مجرد سؤال كتابي في روزنامة الرقابة التشريعية، بل تعبير متأخر عن واقع بات معلومًا لدى المهنيين والمواطنين على حد سواء. فهذه الممارسة، التي تحولت من استثناء إلى ظاهرة متفاقمة، تكشف عن خلل عميق في منظومة تنظيم الصيد البحري وتسويق منتوجاته، وعن فجوة واضحة بين القوانين المكتوبة والواقع الميداني الذي يُدار في كثير من الأحيان بمنطق الأمر الواقع.

بيع الأسماك في عرض البحر، بعيدًا عن الموانئ وأسواق الجملة والمساطر القانونية، لا يطرح فقط إشكال احترام القانون، بل يضرب في العمق فلسفة تنظيم القطاع برمته. فحين تُفرَّغ القوانين من مضمونها العملي، ويتحول الالتفاف عليها إلى قاعدة غير مُعلنة، فإن السوق يفقد توازنه، وتُنسف مبادئ المنافسة الشريفة، ويصبح المهني الملتزم بالقانون هو الطرف الأضعف في معادلة مختلة.

الأخطر في هذه الظاهرة ليس فقط ما تخسره خزينة الدولة من موارد ضريبية ورسوم قانونية، بل ما ينتج عنها من اقتصاد ظل منظم، تتحكم فيه شبكات وساطة غير قانونية تستغل هشاشة الصيادين التقليديين، وتفرض عليهم شروطًا مجحفة، مقابل تصريف سريع للمنتوج خارج أي مراقبة. في هذا السياق، لا يعود الصياد فاعلًا اقتصاديًا مستقلًا، بل حلقة ضعيفة داخل سلسلة غير شفافة، تستفيد منها فئات قليلة على حساب المصلحة العامة.

البعد الصحي، الذي نبهت إليه البرلمانية في سؤالها، يضيف بعدًا آخر للخطورة. فالأسماك التي تُباع في عرض البحر لا تخضع لشروط المراقبة الصحية، ولا لسلسلة التبريد، ولا لمعايير السلامة التي يفترض أن تحمي المستهلك. ومع ذلك، تجد طريقها بسهولة إلى الأسواق الشعبية والمطاعم، في ظل غياب تتبع فعلي لمسار المنتوج من البحر إلى المائدة. هنا، لا يصبح الخلل تقنيًا فقط، بل مسألة صحة عمومية، يُترك فيها المواطن دون ضمانات حقيقية.

طرح السؤال البرلماني حول نجاعة آليات المراقبة والزجر يضع الحكومة أمام مسؤولية واضحة. فالقوانين المنظمة لقطاع الصيد البحري ليست جديدة، وأجهزة المراقبة موجودة نظريًا، سواء على مستوى السواحل أو داخل الموانئ. غير أن استمرار هذه الظاهرة بهذا الحجم يطرح سؤال الإرادة والقدرة على التطبيق. هل نحن أمام نقص في الوسائل، أم أمام تساهل، أم أمام تواطؤ صامت يبرر نفسه بصعوبة المراقبة واتساع المجال البحري؟

الحديث عن محاربة الوسطاء غير القانونيين يفتح بدوره ملفًا مسكوتًا عنه. فهؤلاء الوسطاء لم يظهروا من فراغ، بل وجدوا بيئة تسمح لهم بالتمدد، مستفيدين من ضعف التنظيم، وتعقيد المساطر الرسمية، وغياب بدائل حقيقية للصيادين الصغار. ما لم تُعاد هيكلة مسالك التسويق بشكل يضمن سرعة التصريف وعدالة الأثمان وحماية المنتج، فإن أي مقاربة زجرية ستظل جزئية، وقد تزيد من هشاشة الفاعلين الصغار بدل حمايتهم.

في العمق، تعكس هذه الظاهرة مفارقة صارخة. المغرب يراكم خطابات حول تثمين الثروة البحرية، والاستدامة، وحكامة القطاعات الإنتاجية، لكنه في الممارسة يسمح باستنزاف جزء من هذه الثروة داخل قنوات غير منظمة، لا تخدم لا الدولة، ولا المهنيين، ولا المستهلك. هذا التناقض بين الخطاب والسياسات الفعلية يضعف الثقة، ويكرس الإحساس بأن القانون يُطبق انتقائيًا، أو يُترك بلا أثر حين يصطدم بمصالح غير مرئية.

المساءلة البرلمانية، مهما كانت أهميتها، تظل خطوة أولى فقط. فالمطلوب اليوم ليس فقط توضيحات، بل سياسة متكاملة تعالج جذور المشكلة، تبدأ بإعادة تنظيم مسالك التسويق، وتبسيط ولوج الصيادين إلى القنوات القانونية، وتعزيز المراقبة الفعلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء. دون ذلك، سيبقى بيع السمك في عرض البحر عنوانًا لفشل أوسع في إخضاع الاقتصاد غير المهيكل لمنطق القانون.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بأسماك تُباع خارج الميناء، بل بثروة وطنية تُستنزف خارج الرقابة، وبقانون يُفرغ من معناه، وبمنافسة شريفة تُخنق لصالح شبكات غير قانونية. وحين يصبح خرق القانون هو الطريق الأسهل، فإن المساءلة لا يجب أن تتوقف عند السؤال البرلماني، بل يجب أن تمتد إلى جوهر السياسات التي سمحت لهذا الواقع أن يستمر.

1 1 تصويت
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى