حين يصبح الخطر مشهدًا: الفيضانات تكشف هشاشة الوعي الجماعي بالمخاطر

مشاهد التجمهر عند ضفاف الوديان وأمام سدود ممتلئة خلال موسم الفيضانات ليست مجرد لقطات عابرة تفرضها فضولية لحظية، بل تعبير مكثف عن فجوة عميقة في الوعي بالمخاطر، فجوة تتجاوز الأفراد المعنيين لتطال علاقة المجتمع كله بفكرة الخطر، وبالدولة، وبالذات الجماعية في لحظات الأزمات. ففي الوقت الذي تبذل فيه السلطات العمومية ومكونات المجتمع المدني جهودًا مكثفة للإجلاء والإنقاذ وتقليص الخسائر، يظهر جزء من السلوك الاجتماعي وكأنه يتحرك في اتجاه معاكس، لا بدافع التحدي الصريح، بل بدافع تطبيع الخطر وتحويله إلى فرجة.
هذا السلوك لا يمكن اختزاله في التهور الفردي وحده، لأن الخطير فيه ليس عدد المتجمهرين بقدر ما يحمله من دلالات رمزية. حين يقف مواطن أمام وادٍ هائج أو سد على وشك الفيضان لالتقاط صورة أو متابعة المشهد عن قرب، فإنه لا ينكر الخطر بالضرورة، بل يعيد تأطيره ذهنيًا كحدث يمكن السيطرة عليه أو التعايش معه. هنا بالضبط يظهر ما يسميه علماء الاجتماع “وهم السيطرة”، حيث يشعر الفرد أن الخطر لا يهدده شخصيًا، وأن الكارثة تظل دائمًا شأنًا يطال الآخرين.
هذا الوهم يتغذى من تراكم تجارب سابقة لم تنته دائمًا بأسوأ السيناريوهات، ومن تصور راسخ بأن الدولة ستتدخل في اللحظة الأخيرة مهما كان السلوك الفردي. غير أن هذا التصور، الذي يبدو في ظاهره تعبيرًا عن الثقة، يخفي في عمقه تفويضًا سلبيًا للمسؤولية، حيث تُنقل كلفة الحذر من الفرد إلى المؤسسات، ويُختزل دور المواطن في المتفرج لا في الشريك في الوقاية.
الفيضانات الأخيرة كشفت أيضًا أن التحذيرات الرسمية، مهما بلغت دقتها، لا تتحول تلقائيًا إلى سلوك جماعي مسؤول. فالمعلومة وحدها لا تصنع وعيًا، والبلاغات الإنذارية لا تكفي إن لم تُدمج في ثقافة يومية ترى في احترام التعليمات مسألة حياة لا خيارًا قابلًا للتفاوض. إنكار المخاطر المناخية، أو التقليل من شأنها، لا يعكس جهلًا بسيطًا، بل نمط تمثل جماعي تشكل عبر سنوات من غياب التربية على المخاطر، ومن التعامل مع الكوارث بمنطق الاستثناء لا بمنطق الاحتمال الدائم.
الأخطر أن هذه السلوكيات، حتى وإن صدرت عن فئة محدودة، تخلق أثرًا مضاعفًا. فهي تشوش على عمليات الإنقاذ، وتدفع آخرين إلى تقليدها، وتُضعف الرسائل التحذيرية عبر تحويلها إلى موضوع جدل أو سخرية. في لحظات الأزمات، لا يُقاس الخطر فقط بقوة الطبيعة، بل أيضًا بقدرة المجتمع على الانضباط الجماعي. وأي خلل في هذا الانضباط يرفع كلفة التدخل ويعرض الأرواح لمخاطر إضافية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا النقاش عن الجهود العمومية المبذولة، التي أظهرت مستوى مهمًا من التعبئة والتنسيق والتضامن، خاصة في مناطق مثل القصر الكبير والغرب. هذا التلاحم، الذي تجلى في تدخلات الوقاية المدنية والقوات المسلحة والسلطات المحلية والمتطوعين، يكشف أن المجتمع قادر على الفعل الجماعي حين يُستدعى، لكنه ما يزال بحاجة إلى استثمار طويل النفس في بناء ثقافة وقائية لا تُختبر فقط عند وقوع الكارثة.
الفيضانات، في هذا المعنى، ليست مجرد ظاهرة طبيعية متكررة، بل اختبار اجتماعي متجدد. فهي تطرح سؤالًا جوهريًا حول كيف نفهم الخطر، وكيف نتصرف حياله، ومن يتحمل مسؤوليته. ما لم يُدمج تعليم التعامل مع الكوارث في المدرسة، وما لم تُنظم تدريبات محاكاة للنجاة، وما لم يُنظر إلى التحذير بوصفه فعل حماية لا قيدًا على الحرية، ستظل فجوة الوعي قائمة، وستظل الكارثة المقبلة تجد مجتمعًا أقل استعدادًا مما ينبغي.
في النهاية، الخطر لا يبدأ عند فيضان الوادي، بل عند لحظة الاستهانة به. وما تكشفه هذه المشاهد هو أن معركة مواجهة التغيرات المناخية ليست تقنية فقط، بل ثقافية وسلوكية في جوهرها. فإما أن يتحول الوعي بالمخاطر إلى ممارسة يومية، أو يستمر الخطر في التحول إلى مشهد، والكارثة إلى درس مؤجل لا نتعلمه إلا بعد فوات الأوان.

