شأن وطني

الإخلاء بلا تواصل: حين تتحول الوقاية إلى مصدر خوف جديد

المطالبة التي عبّر عنها فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتطوان بوقف العشوائية في عمليات الإخلاء وتوفير السكن لضحايا فيضانات القصر الكبير لا يمكن اختزالها في احتجاج حقوقي تقليدي، بل تعكس خللًا بنيويًا في طريقة تدبير المخاطر والكوارث الطبيعية، حيث تتحول الإجراءات الوقائية، بدل أن تكون مصدر طمأنينة، إلى عامل إضافي للخوف والارتباك. فالإخلاء، مهما كانت ضرورته، يفقد جزءًا كبيرًا من مشروعيته حين يُنفَّذ دون تواصل مسبق، ودون شرح واضح، ودون توفير بدائل إنسانية تحفظ كرامة الناس وأمنهم النفسي.

ما وقع في أحياء بتطوان، حيث تلقى السكان خبر الإخلاء فجأة في ساعات الصباح الأولى، يكشف أن منطق الاستعجال طغى على منطق التدبير المتدرج. صحيح أن خطر الفيضانات والانجرافات لا يحتمل التهاون، لكن الوقاية لا تعني المفاجأة، ولا تبرر القطيعة مع حق المواطنين في المعرفة والاستعداد. حين يُطلب من أسر مغادرة بيوتها على عجل، دون معلومات دقيقة حول مدة الإخلاء، أو أماكن الإيواء، أو مصير الممتلكات، يتحول القرار من إجراء احترازي إلى تجربة قاسية تمس الإحساس بالأمان وتولد شعورًا بالعجز وفقدان السيطرة.

البلاغ الحقوقي يسلط الضوء على نقطة جوهرية كثيرًا ما تُهمَل في تدبير الكوارث، وهي أن الخطر ليس ماديًا فقط، بل نفسي واجتماعي أيضًا. فالذعر الذي يتسلل إلى الأسر، خاصة الأطفال وكبار السن، ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من الكلفة الإنسانية لأي قرار غير مؤطر بالتواصل. في لحظات الأزمات، لا يكفي أن تكون النية حماية الأرواح، بل يجب أن تُترجم هذه النية إلى إجراءات تحترم الكرامة، وتُشرك السكان، ولو في حدها الأدنى، في فهم ما يجري.

كما أن دعوة الجمعية إلى توفير السكن اللائق للمتضررين، سواء من سكان تطوان أو من ضحايا فيضانات القصر الكبير الوافدين إليها، تكشف اتساع نطاق الأزمة. فالكارثة لم تعد محصورة في موقع جغرافي واحد، بل امتدت آثارها إلى مدن مجاورة، ما يفرض تنسيقًا أوسع بين السلطات، ورؤية واضحة لتدبير النزوح الاضطراري. الاكتفاء بإجلاء السكان دون تصور متكامل للإيواء والرعاية يعني نقل المشكلة من حي إلى آخر، لا حلها.

الملف يطرح أيضًا سؤال الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يشعر الناس بأن القرارات تُتخذ فوق رؤوسهم، وبلا شرح، تتآكل الثقة حتى في الإجراءات الصحيحة. والنتيجة هي مقاومة صامتة، أو تردد في الامتثال، أو لجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي بحثًا عن معلومات بديلة، قد تكون أحيانًا مضللة. في هذا السياق، يصبح التواصل الشفاف ليس ترفًا إداريًا، بل شرطًا أساسيًا لنجاح أي عملية إخلاء أو إجلاء.

لا أحد يجادل في أن السلطات تتحمل عبئًا ثقيلًا في مواجهة التقلبات المناخية المتزايدة، وأن سرعة القرار قد تنقذ الأرواح. لكن التجارب المتكررة تُظهر أن السرعة، حين لا ترافقها خطة تواصل وإيواء واضحة، تُنتج آثارًا جانبية خطيرة. الوقاية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الأرواح التي لم تُفقد، بل أيضًا بمدى احترام حقوق من تم إنقاذهم، وبقدرة الدولة على جعلهم يشعرون بأنهم محميون لا مُستبعَدون.

في النهاية، ما يطالب به حقوقيو تطوان ليس تعطيلًا لإجراءات السلامة، بل عقلنتها. المطلوب هو الانتقال من منطق التدخل الفجائي إلى منطق تدبير المخاطر، حيث يُبنى القرار على إشراك السكان، وتدرج الإنذار، وضمان الإيواء الكريم، وربط الوقاية بالكرامة. دون ذلك، ستظل الكوارث الطبيعية تكشف، في كل مرة، ليس فقط هشاشة البنية التحتية، بل هشاشة العلاقة بين القرار العمومي والمواطن في لحظات يفترض أن تكون فيها الثقة هي خط الدفاع الأول.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى