MADINA AR

حين يُختزل الإصلاح في البرلمان: أزمة ثقة لا أزمة مسطرة

رفض عبد اللطيف وهبي سحب مشروع قانون المحاماة من البرلمان، في خضم مقاطعة شاملة للمحامين تشلّ المحاكم وتربك حقوق المتقاضين، لا يعكس فقط تشبثًا بمسطرة تشريعية، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بفهم الإصلاح وحدود الحوار ومكانة الفاعلين المهنيين داخل منظومة العدالة. فحين يُقدَّم البرلمان باعتباره الإطار الوحيد الممكن للنقاش والتعديل، ويُختزل الحوار في قنوات مؤسساتية باردة، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يملك الحق في التشريع، بل من يملك الشرعية الأخلاقية والمهنية للمساهمة فيه.

حديث الوزير عن أن سحب المشروع “يمنع المؤسسة التشريعية من القيام بمهمتها” يبدو، من حيث الشكل، دفاعًا عن مبدأ دستوري. غير أن هذا الدفاع يتجاهل السياق الذي جاء فيه المشروع، وحجم الرفض الذي يواجهه من طرف مهنة يُفترض أنها شريك أساسي في بناء العدالة لا مجرد فئة معنية بقانون تقني. فالإصلاح، حين يمس جوهر المهنة واستقلاليتها وحصانتها، لا يمكن أن يُدار بمنطق الإحالة وحدها، ولا أن يُختزل في تبادل مذكرات داخل القبة، بينما الشارع المهني يغلي والمحاكم تتوقف.

إصرار وهبي على أن الحوار قد جرى طيلة ثلاث سنوات، وأن الادعاء بعدم وجوده غير صحيح، يفتح بدوره سؤالًا حول معنى الحوار ذاته. فالحوار لا يُقاس بطول الزمن ولا بعدد الاجتماعات، بل بمدى شعور الأطراف بأن صوتها مسموع، وأن اعتراضاتها تُترجم إلى تعديلات ملموسة. حين تصل مهنة بكاملها إلى حد المقاطعة الشاملة، فذلك مؤشر على أن فجوة ما قد اتسعت، سواء بسبب مضمون المشروع أو بسبب طريقة تدبير النقاش حوله.

الأخطر في هذا السجال هو اللغة التي تُستعمل لتبسيط الخلاف. الترحيب بالشتم واللعان، حتى وإن قُدّم في سياق استفزازي، يعكس استخفافًا رمزيًا بحجم الاحتقان القائم، ويحوّل النقاش من خلاف مهني مؤسساتي إلى مواجهة شخصية. في لحظات الأزمات، تحتاج العدالة إلى خطاب يهدئ ويجمع، لا إلى عبارات تزيد منسوب التوتر وتغذي الشعور بأن القرار مفروض لا تشاركي.

كما أن إحالة الوزير على الأحزاب السياسية والبرلمان لنقل ملاحظات المحامين تُظهر تصورًا عموديًا للإصلاح، حيث يُفصل بين المهني ومشروع القانون عبر وسطاء سياسيين. هذا المنطق قد يكون مقبولًا في قوانين عامة، لكنه يصبح إشكاليًا حين يتعلق الأمر بمهنة تؤدي دورًا بنيويًا في حماية الحقوق وضمان المحاكمة العادلة. المحامون هنا لا يطالبون بحق النقض، بل بحق المشاركة الفعلية في صياغة قانون ينظم وجودهم ووظيفتهم داخل العدالة.

ربط النقاش بقضايا أخرى، مثل الوكالة الوطنية لتدبير الممتلكات المحجوزة والمصادرة، وإبراز مداخيلها المحتملة، يكشف توجهًا عامًا في خطاب وزارة العدل يميل إلى إبراز النجاعة المالية والإدارية أكثر من التركيز على سؤال الحقوق والحريات. هذا الربط يعزز الإحساس بأن منطق التدبير يغلب على منطق العدالة، وأن الإصلاح يُقاس بالأرقام والمداخيل لا بمدى ترسيخ الثقة في القضاء.

في العمق، ما يجري ليس صراعًا حول نص قانوني فقط، بل مواجهة بين تصورين للعدالة. تصور يرى الإصلاح مسارًا تقنيًا تُديره الحكومة والبرلمان وفق المساطر، وتصور آخر يعتبر العدالة فضاءً تشاركيًا لا يستقيم دون إشراك فعلي لكل مكوناته، وعلى رأسهم المحامون. تجاهل هذا البعد يعني المخاطرة بتحويل أي إصلاح، مهما كانت نواياه، إلى عامل توتر دائم.

في النهاية، الأزمة الحالية لا تُحل بإثبات من يحترم المسطرة أكثر، بل بإعادة بناء الثقة. فالقانون، حتى وهو يُناقَش داخل البرلمان، يحتاج إلى أرضية توافق مهني واجتماعي كي ينجح. أما الإصرار على تمريره في ظل مقاطعة شاملة، فيحمل خطرًا واضحًا: عدالة بنصوص جديدة، لكن بثقة أضعف، وهو ثمن أكبر بكثير من أي تنازل كان يمكن تقديمه على طاولة الحوار الحقيقي.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى