مدريد 2026: حين انتقلت واشنطن من دعم مقترح الحكم الذاتي إلى هندسة تنزيله

في أجواء طبعها التكتم الشديد والحذر الدبلوماسي، أسدل الستار في العاصمة الإسبانية مدريد عن جولة مفاوضات حاسمة حول قضية الصحراء المغربية، جرت برعاية أمريكية مباشرة. ورغم غياب المؤتمرات الصحفية الصاخبة، إلا أن التسريبات القادمة من ردهات السفارة الأمريكية تشير إلى تحول هو الأبرز من نوعه منذ سنوات في مسار النزاع المفتعل.
و تفيد المعطيات المتوفرة بأن الوفد الأمريكي نجح في انتزاع “اعتراف إجرائي” من كافة الأطراف، بما في ذلك الطرف الجزائري، بأن المبادرة المغربية لتخويل الأقاليم الجنوبية حكماً ذاتياً هي “الوثيقة الوحيدة المطروحة للنقاش الفني”.
ولم يعد الأمر يقتصر على الدعم السياسي العام، بل انتقل إلى مرحلة “التنزيل”، حيث تم الاتفاق على إنشاء “لجنة تقنية دائمة” تضم خبراء قانونيين وأمنيين تحت إشراف أمريكي-أممي. وستنكب هذه اللجنة على دراسة تفاصيل إدارة القضاء، الجبايات، والأمن المحلي، مما يعني عملياً الانتقال من “مرحلة التفاوض على المبدأ” إلى “مرحلة هندسة التطبيق”.
لم يخلُ اللقاء من شد وجذب عكسه الجانب البروتوكولي؛ فوفقاً للمصادر، فشلت واشنطن في إقناع الوفد الجزائري بالتقاط “صورة جماعية” تجمع وزير خارجيتها بنظيره المغربي. هذا الرفض، الذي تجسد في مغادرة الوفد الجزائري من باب جانبي، يراه محللون محاولة من الجزائر للبقاء في مربع “المراقب”، رغم انخراطها الفعلي في النقاشات التقنية المعمقة.
وعلى مستوى المصطلحات، يبدو أن الكفة مالت لصالح المقاربة المغربية-الأمريكية، حيث تم حصر مفهوم “تقرير المصير” في قالب “الحكم الذاتي”، معتبرين إياه التجسيد الواقعي والقابل للتنفيذ لهذا الحق الدستوري والدولي.
وضعت الولايات المتحدة ثقلها لضمان عدم خروج الاجتماع بوعود فضفاضة، حيث تم تحديد شهر مايو القادم موعداً لجولة جديدة في واشنطن. ويهدف هذا الموعد المرتقب إلى التوقيع على “اتفاق إطار” يمهد لطي الملف نهائياً، فيما وصفه مراقبون بـ “خارطة طريق مدريد 2026”.
وقد خرج المغرب من محطة مدريد بمكاسب استراتيجية واضحة؛ فقد استطاع فرض لغته الفنية وجعل مقترحه المرجعية الوحيدة دولياً. وفي المقابل، تضع هذه المخرجات الأطراف الأخرى أمام ضغط ديبلوماسي متزايد، حيث انتقلت واشنطن من دور “المؤيد” إلى دور “المهندس” الذي يضع اللمسات الأخيرة لمشروع حل إقليمي طال انتظاره.

