MADINA AR

أحكام قاسية ورسائل سياسية: حين يتحول القضاء إلى أداة لإدارة الغضب الاجتماعي

أعادت الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين همم فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المغرب اليوم: ملف الأحكام السالبة للحرية الصادرة في حق نشطاء الرأي والحراكات الاجتماعية، والتي لم تعد، وفق توصيف الهيئة، مجرد اجتهادات قضائية معزولة، بل مؤشرات مقلقة على مسار حقوقي يتجه نحو مزيد من الانغلاق.

بلاغ “هِمَمْ” لم يأت بلغة انفعالية، بل بلغة توثيقية مباشرة، حين تحدث عن مئات من الشباب، أغلبهم من جيل جديد لم ينخرط في العمل الحزبي التقليدي، وجد نفسه في مواجهة أحكام وصلت في بعض الحالات إلى خمس عشرة سنة سجنا نافذا، بسبب احتجاجات اجتماعية مرتبطة بالخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة. هنا، يصبح السؤال الحقوقي جوهريا: كيف تحوّلت المطالب الاجتماعية إلى جرائم ثقيلة العقوبة؟

الأخطر في هذه التطورات ليس فقط قساوة الأحكام، بل اتساع رقعتها وتنوع الملفات التي شملتها. من قضايا التدوين والرأي، إلى ملفات الاحتجاجات الاجتماعية، وصولا إلى متابعات تطال فاعلين جمعويين معروفين بنشاطهم في مكافحة الفساد. هذا الاتساع، في حد ذاته، يعطي الانطباع بأن الدولة اختارت الرد القضائي كآلية أساسية لإدارة التوتر الاجتماعي، بدل فتح قنوات سياسية ومؤسساتية لامتصاص الغضب المتراكم.

في هذا السياق، توقفت الهيئة عند ملفات بعينها، من بينها تأييد الحكم الصادر في حق المدونة سعيدة العلمي، والحكم الابتدائي في حق المدون ياسين بنشقرون، إضافة إلى متابعة محمد الغلوسي، رئيس جمعية تُعرف بدورها في فضح اختلالات تدبير المال العام. هذه القضايا، رغم اختلاف سياقاتها، تجمعها نقطة واحدة: استعمال القانون الجنائي في مواجهة التعبير والنقد والاحتجاج.

ولا يمكن فصل هذه الأحكام عن السياق العام الذي تعيشه البلاد، حيث تتقاطع أزمات اجتماعية واقتصادية متراكمة مع ضيق هوامش الوساطة السياسية، وضعف قنوات التعبير المؤسساتي. في مثل هذا المناخ، يتحول القضاء، عن قصد أو غير قصد، إلى أداة لضبط المجال العام، بدل أن يكون ضمانة أخيرة لحماية الحقوق والحريات.

توسيع دائرة المتابعة لتشمل صحافيين، وطلبة، ونشطاء مقاطعة، ومحامين، كما أشار بلاغ “هِمَمْ”، يعزز الإحساس بأن منسوب التسامح مع الاختلاف في تراجع. فبدل معالجة الأسباب العميقة للاحتجاج، يتم التعامل مع نتائجه بأدوات زجرية، تُراكم الإحساس بالظلم، وتُعمّق القطيعة بين فئات واسعة من الشباب والمؤسسات.

الدعوة إلى “انفراج حقوقي”، التي ختمت بها الهيئة بلاغها، ليست شعارا سياسيا بقدر ما هي تحذير. فالتجارب السابقة، داخل المغرب وخارجه، أظهرت أن المقاربة الأمنية–القضائية لا تنتج استقرارا دائما، بل تؤجل الأزمات وتزيد من كلفتها. كما أن الإفراج عن معتقلي الرأي والحراكات الاجتماعية لا يُضعف الدولة، بل يعيد لها جزءا من الثقة التي تآكلت بفعل التوترات المتكررة.

ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش حول ملفات قضائية، بل حول الخيار العام في تدبير الاختلاف. إما الاستمرار في منطق الردع، بكل ما يحمله من مخاطر سياسية واجتماعية، أو فتح صفحة جديدة، تُعيد الاعتبار للحق في التعبير والاحتجاج السلمي، وتضع العدالة في موقعها الطبيعي: كضامن للحقوق، لا كأداة لإسكات الأصوات.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى