700 مليار سنتيم تحت مجهر “قضاة الحسابات”.. هل أموال الدعم تائهة في دهاليز الحكامة؟

كشف التقرير السنوي الصادر عن المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024/2025 عن معلومات مالية و تنظيمية دقيقة بخصوص الدعم العمومي المرصود لفائدة هيئات المجتمع المدني و المؤسسات غير ربحية ، مسلطا الضوء على حجم الموارد المرصودة، و الإختلالات التي عرت عن غياب الحكامة و آليات التقيم و القياس الموضوعي للأثر الاجتماعي و التنموي.
و أظهر التقرير أن إجمالي الدعم العمومي الموجه لفائدة هيئات المجتمع المدني و المؤسسات غير الربحية قد بلغ ما مجموعه 3,53 مليار درهم، استفادت منه 984 جمعية و مؤسسة على شكل دعم مباشر، مع تسجيل تفاوت واضح في مستويات التأطير و القدرات التدبيرية لهذه الهيئات.
و أبرز المجلس ان توزيع هذا التمويل حرص على أن يشمل القطاعات الإجتماعية ذات الأولوية ، و على رأسها قطاع التعليم ، حيث استفادت برامج التعليم الأولي و مدارس الفرصة الثانية من غلاف مالي بلغ 529,64 مليون درهم، و ذلك لتوسيع دائرة التمدرس المبكر ، و تقليص الهدر المدرسي، و توفير بدائل تربوية موجهة للفئات الهشة.
كما تم تخصيص دعم مهم لفائدة الجمعيات المهنية التي تنشط في قطاع الفلاحة، حيث بلغ اجمالي الدعم 506 مليون درهم، لمواكبة تنفيذ استراتيجية” الجيل الاخضر” خصوصا فيما يتعلق بتنمية سلاسل الإنتاج و تعزيز التنظيمات المهنية الفلاحية.
و بخلاف ما قد يتم اعتقاده ، فقد نبه المجلس إلى أن الصيغة الحالية للدعم العمومي لا يمكن قياس آثرها على التنمية و المردودية الإجتماعية للمشاريع المنجزة، و ذلك لغياب منظومة متكاملة لتتبع النتائج و قياس الأثر.
وقد لعب تأخر صدور الإطار القانوني المنظم للدعم العمومي دورا محوريا في عدم إرسال قواعد حكامة جيدة في منح الدعم، و تعزيز التنسيق بين القطاعات الوزارية، فضلا عن تتبع و تقييم أثره.
و أظهرت المهام الرقابية التي انجزت من طرف المجلس ان عددا من الجمعيات العاملة في مجالات متعلقة بالتعليم الأولي، و محاربة الأمية، و دعم المدارس لا تتوفر على الحد الادنى من متطلبات الحكامة المالية و التنظيمية، و هذا ينعكس على ضعف الأثر الفعلي للدعم العمومي الموجه اليها.
كما رصد المجلس، في عدة حالات، غياب مؤشرات قياس الأداء، و تفاوتا ملحوظا في جودة المشاريع، وضعفا في آليات الانتقاء والتأطير والتتبع الإداري للمستفيدين، وهو ما يطرح إشكالات حقيقية مرتبطة بالفعالية والإنصاف في صرف المال العام.
و في محور آخر، وصل إجمالي الدعم العمومي الموجه لفائدة جمعيات و مؤسسات الاعمال الاجتماعية للموظفين 3,56 مليار درهم من الميزانية العامة للدولة ل سنة 2023-2024 ، خصص منها 1,92 مليار درهم سنة 2023، استفادت منه 37 جمعية و مؤسسة. في حين تم تخصيص 1,63 مليار درهم سنة 2024 و استفادت منه 39 جمعية و مؤسسة.
باللإضافة إلى موارد عينية ، تشمل عقارات، موارد بشرية، و نفقات تسير في اطار دعم البعد الاجتماعي للموظفين و تعزيز استفادتهم من خدمات مكملة تشمل السكن، النقل، الإطعام و الرعاية الصحية و الترفيه. و قد استحوذت كل من الداخلية، و التعليم و الصحة على حوالي 67% من هذا الدعم، ارتباطاً بالوزن العددي الكبير لموظفي هته القطاعات الحيوية.
و رغم أهمية هذا التمويل، غير ان المجلس سجل استمرار عدد من النواقص المتعلقة بكيفية صرفه و تدبيره، و ذلك لغياب الإطار القانوني الموحد الذي يؤطّر تدخلات الأعمال الاجتماعية، و يحدد أهدافها، و الفئات المستفيدة منها، و أسس الحكامة المعتمدة في تسير هذا التمويل. وقد سبق للمجلس ان أشار إلى هذه النقاط في تقاريره السابقة.
كما تمت الإشارة إلى اختلاف الأسس القانونية المؤطرة للمؤسسات المستفيدة، و تعدد أشكال الرقابة المطبقة عليها، مما انتج تفاوتا واضحا في قواعد التدبير و المحاسبة، و غياب ربط الدعم العمومي بمؤشرات أداء قابلة للقياس، او برامج تعاقدية تحدد الأهداف و النتائج المنتظرة.
إضافة إلى ذلك، سجل المجلس غياب منظومة موحدة للقيادة و التنسيق و التقييم على المستوى الوطني ، بما يضمن انسجامها مع باقي البرامج الاجتماعية العمومية دون تداخلها . و عليه تبت تفاوتا ملحوظا في كمية الخدمات وجودتها بين المؤسسات، و كذلك بين الجهات مما يطرح اشكالية العدالة في الاستفادة بين الموظفين.
و نبه المجلس إلى ان الوزارة المكلفة باصلاح الإدارة لم تتضم تقاريرها على معطيات مفصلة حول الأعمال الإجتماعية، سواء من حيث التمويلات أو نجاعة الخدمات المقدمة، و هو ما يحد من مستوى الشفافية و يقيد إمكانيات التقييم الموضوعي للمردودية الإدارية و الإجتماعية لهذه البرامج.

