تدخل مدينة القصر الكبير مرحلة وُصفت بـ"الأخيرة" قبل الإعلان الرسمي عن عودة السكان إلى منازلهم، بعد أكثر من أسبوعين من الإجلاء القسري الذي فرضته الفيضانات التي اجتاحت عدداً من أحيائها وأغرقت شوارعها. المشهد اليوم مختلف عما كان عليه خلال ذروة الأزمة. حركة مكثفة لعمال النظافة والإنعاش الوطني تجوب الأزقة، وآليات ضخمة تعمل بشكل متواصل على تصريف المياه وتنقية قنوات الصرف الصحي. نحو عشرين شاحنة صهريجية كبيرة جرى استقدامها من مدن مختلفة لتسريع عملية شفط المياه وإزالة الأوحال التي خلّفتها السيول. السلطات المحلية تؤكد أن الأولوية في هذه المرحلة هي ضمان شروط السلامة الأساسية قبل السماح بالعودة. وتتم حالياً مراجعة شبكات الماء والكهرباء، وإجراء تحليلات مخبرية للتأكد من صلاحية المياه للشرب، تفادياً لأي مخاطر صحية محتملة بعد تراجع منسوب المياه. رئيس المجلس الجماعي للمدينة، محمد السيمو، شدد على أن الاستعدادات تجري بوتيرة مكثفة بهدف تمكين السكان من العودة في أقرب وقت ممكن، معتبراً أن نشر أخبار غير دقيقة حول طول مدة الإجلاء لا يخدم الاستقرار النفسي للساكنة. في المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى أن العودة ستكون تدريجية، وستشمل أولاً الأحياء التي لم تتضرر بشكل كبير. كما يُرتقب أن تسبق عودة السكان إعادة تشغيل المرافق الحيوية، من مخابز ومحلات غذائية وبنوك، لضمان حد أدنى من الجاهزية الاقتصادية والخدماتية. ورغم مظاهر الانفراج، فإن حجم الخسائر ما يزال يطرح تحديات كبيرة، خصوصاً في المناطق القروية المحيطة التي تضررت فيها الأراضي الفلاحية وتلفت محاصيل وأشجار مثمرة. عدد من الفلاحين يواجهون خسائر مباشرة تمس مصادر عيشهم، ما يجعل مسألة التعويض وإعادة التأهيل أولوية ملحّة. كما يطالب فاعلون محليون بضرورة تعويض التجار المتضررين داخل المدينة وفي المراكز القروية المجاورة، حتى لا تتحول الكارثة الطبيعية إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد. المرحلة الحالية تمثل انتقالاً من منطق الطوارئ إلى منطق إعادة الاستقرار. غير أن نجاح هذه العودة لا يُقاس فقط بإزالة الأوحال وشفط المياه، بل بمدى قدرة السلطات على ضمان تعويضات عادلة، ودعم فعلي للمتضررين، وإجراءات وقائية تحول دون تكرار المشهد ذاته في مواسم أمطار قادمة. القصر الكبير تستعد للعودة إلى حياتها الطبيعية قبل حلول شهر رمضان، لكن ما بعد العودة سيكون اختباراً حقيقياً لمدى جاهزية المدينة لمواجهة كوارث مماثلة مستقبلاً، ولقدرة السياسات المحلية على الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي.