المغرب يعود إلى مجلس السلم والأمن الإفريقي: حضور دبلوماسي ورسائل استراتيجية

تم انتخاب المغرب، من الدور الأول، لولاية جديدة مدتها سنتان داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، بعد حصوله على 34 صوتًا، أي أكثر من ثلثي الأصوات المطلوبة. هذا الرقم لا يحمل فقط دلالة إجرائية، بل يعكس وزنًا دبلوماسيًا متراكمًا منذ عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017.
مجلس السلم والأمن يُعد أحد أهم أجهزة الاتحاد، باعتباره الهيئة الدائمة المكلفة بالوقاية من النزاعات وتدبيرها وتسويتها داخل القارة. والعودة إلى هذا الموقع ليست مجرد حضور بروتوكولي، بل موقع تأثير في ملفات حساسة، من الأزمات الأمنية إلى الوساطات السياسية، ومن بعثات حفظ السلام إلى قضايا الاستقرار الإقليمي.
استمرارية بعد عودة 2017
منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، عمل المغرب على إعادة تثبيت موقعه داخل المنظومة القارية. فقد شغل مقعدًا داخل مجلس السلم والأمن خلال فترتين سابقتين (2018–2020) و(2022–2025). هذا التراكم يعكس رغبة واضحة في التحول من عضو عائد إلى فاعل مؤثر.
الانتخاب من الدور الأول يعطي إشارة سياسية بأن عددا معتبرا من الدول الإفريقية يرى في الرباط شريكًا موثوقًا داخل آلية تدبير النزاعات. وهو أيضًا مؤشر على شبكة علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف بُنيت خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر التعاون الأمني أو الاقتصادي أو الديني.
أبعاد سياسية أوسع
لا يمكن قراءة هذا الانتخاب بمعزل عن السياق الجيوسياسي الإفريقي. فالقارة تعيش مرحلة إعادة تشكيل للتحالفات، في ظل تصاعد أزمات في الساحل، وتزايد حضور قوى دولية جديدة، وتحولات داخلية في عدد من الدول. داخل هذا المشهد، يسعى المغرب إلى تقديم نفسه كفاعل استقرار، لا كطرف في استقطابات إقليمية.
كما أن الحضور داخل مجلس السلم والأمن يمنح الرباط منصة مؤسساتية للدفاع عن مقارباتها في ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها قضايا السيادة والنزاعات الإقليمية. فالمجلس ليس فقط هيئة تقنية، بل فضاء تتقاطع فيه الحسابات السياسية والرهانات الاستراتيجية.
بين الدبلوماسية والمصداقية
لكن الحفاظ على هذا الموقع يتطلب أكثر من انتخاب ناجح. فعضوية مجلس السلم والأمن تضع المغرب أمام اختبار المصداقية في التعاطي مع أزمات القارة، خصوصًا في مناطق تشهد هشاشة أمنية عميقة مثل الساحل والقرن الإفريقي.
التحدي ليس في الحضور فقط، بل في القدرة على المبادرة، وبناء توافقات، وتقديم حلول عملية، بعيدًا عن الاصطفافات الضيقة. فالدبلوماسية الإفريقية اليوم تقاس بمدى القدرة على إنتاج الاستقرار، لا فقط بتسجيل نقاط سياسية.
تمهيد لقمة إفريقية مفصلية
يأتي هذا الانتخاب في سياق انعقاد الدورة الثامنة والأربعين للمجلس التنفيذي، تمهيدًا للقمة التاسعة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي. وهو ما يمنح الرباط موقعًا تفاوضيًا مريحًا قبيل هذه المحطة القارية المهمة.
في المحصلة، انتخاب المغرب داخل مجلس السلم والأمن ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسار تموقع إفريقي متدرج منذ 2017. وبين تثبيت الحضور وتحويله إلى تأثير فعلي، يبقى الرهان على ترجمة هذا الموقع إلى دور ملموس في هندسة الأمن والاستقرار داخل القارة.

