إفتتاحية

منع التفكير دون منعه… التفاهة كآلية سيطرة سياسية

لم تعد السيطرة السياسية في القرن الحادي والعشرين تحتاج إلى أدوات المنع الصريح كما في الماضي. لم تعد الأنظمة في حاجة إلى إغلاق الصحف أو حظر الكتب أو اعتقال كل صوت معارض كي تُحكم قبضتها على المجال العام. ثمة طريقة أكثر هدوءًا، وأكثر فاعلية أحيانًا: إغراق الفضاء العمومي بالتفاهة حتى يصبح التفكير نفسه نشاطًا مرهقًا ونادرًا.

التحول الذي نشهده اليوم ليس انتقالًا من القمع إلى الحرية، بل من القمع المباشر إلى إدارة الانتباه. فبدل منع الفكرة، يُدفن معناها وسط سيل من الضجيج. وبدل إسكات الأصوات، تُغرق في بحر من أصوات أخرى بلا وزن ولا أثر. النتيجة واحدة: وعي مشتت، ونقاشات بلا عمق، ومجال عام يتحرك باستمرار دون أن يتقدم.

التفاهة هنا لا تعني الترفيه البريء أو المزاح اليومي. المجتمعات تحتاج إلى الخفة كما تحتاج إلى الجدية. المقصود هو تحويل القضايا المصيرية إلى مواد استهلاكية سريعة، وتفريغ النقاش السياسي من مضمونه، واختزال الأسئلة الكبرى في عناوين مثيرة ومقاطع قصيرة. حين يصبح الفساد “ترندًا” ليوم واحد ثم يُنسى، وحين تتحول العدالة الاجتماعية إلى مادة للسخرية العابرة، فإننا لا نكون أمام حيوية إعلامية، بل أمام تسطيح ممنهج.

في هذا السياق، تلعب الخوارزميات دورًا حاسمًا. المنصات الرقمية لا تكافئ العمق، بل الإثارة. لا تروّج للتحليل الرصين بقدر ما تروّج لما يثير الغضب أو الضحك أو الصدمة. ومع الوقت، يتشكل وعي جمعي يتغذى على ردود الأفعال السريعة بدل التفكير المتأني. يصبح الأكثر صراخًا هو الأكثر حضورًا، والأبسط هو الأكثر انتشارًا، فيما يتراجع النقاش المعقد إلى الهامش.

النظام الشمولي التقليدي كان يعتمد على الخوف. أما النظام الذي يتغذى على التفاهة، فيعتمد على التشتيت. لا يمنعك من الكلام، لكنه يجعلك تتكلم في فضاء مكتظ بلا تأثير. لا يحرمك من الوصول إلى المعلومات، لكنه يغرقك في وفرة مربكة تُساوي بين الحقيقة والإشاعة. لا يفرض عليك رأيًا واحدًا، لكنه يفرغ كل الآراء من القدرة على الفعل.

الأخطر في هذا التحول أن المواطن لا يشعر بأنه مُقمع. هو يعلّق، وينشر، ويغضب، ويضحك، ويتفاعل. يبدو المشهد ديمقراطيًا في ظاهره، نابضًا بالحركة. غير أن هذه الحركة، في كثير من الأحيان، بلا اتجاه. إنها طاقة مبددة في جدالات هامشية، ومعارك افتراضية، واهتمامات موسمية لا تتراكم في وعي سياسي مستدام.

حين تُدار المجتمعات بالضجيج، يصبح النقد نفسه جزءًا من المشهد الاستعراضي. يُسمح به طالما أنه لا يتحول إلى تنظيم، أو إلى مشروع، أو إلى فعل جماعي منظم. التفاهة هنا تؤدي وظيفة سياسية دقيقة: إنها تُجزّئ الغضب، وتُفكك الاهتمام، وتمنع تشكل كتلة وعي قادرة على مساءلة السلطة بجدية.

لا يعني ذلك وجود مؤامرة مركزية تُنتج التفاهة بقرار إداري. المسألة أكثر تعقيدًا. إنها نتاج تداخل مصالح اقتصادية وسياسية وإعلامية. اقتصاد الانتباه يحتاج إلى الإثارة السريعة. السياسة تحتاج إلى تقليل كلفة المساءلة. بعض وسائل الإعلام تبحث عن البقاء في سوق تنافسي شرس. وفي نقطة تقاطع هذه المصالح، تتكرس بيئة تفضّل السطح على العمق.

المفارقة أن المجتمعات التي تقع في فخ هذا النمط من السيطرة تبدو حرة من الخارج. لا سجون ممتلئة بالصحافيين بالضرورة، ولا كتب محظورة بشكل معلن، ولا خطاب رسمي واحد يفرض نفسه. لكن مع ذلك، يتراجع التفكير النقدي، وتتآكل الثقة، ويضعف الحس الجماعي بالقضايا الكبرى.

السؤال إذن ليس كيف نمنع التفاهة، بل كيف نعيد الاعتبار للمعنى. كيف نُنتج إعلامًا لا يكتفي بالمشاهدة، بل يستثمر في التحقيق والشرح والتحليل. كيف نُعيد للتعليم دوره في بناء عقل نقدي قادر على الفرز بين المهم والهامشي. وكيف نستعيد في النقاش العام فكرة التراكم، بدل الاكتفاء بردود الفعل اللحظية.

منع التفكير اليوم لا يتم عبر حظره قانونيًا، بل عبر جعله غير جذاب، غير مربح، وغير مرئي. ومواجهة هذا الشكل الجديد من السيطرة لا تكون بالصراخ المضاد، بل ببناء بديل يُعيد للسياسة عمقها، وللكلمة وزنها، وللنقاش جديته.

فالسيطرة التي تُفرغ العقول أخطر من تلك التي تُقيّد الأجساد. وفي زمن الضجيج الدائم، يصبح الدفاع عن التفكير نفسه فعلًا سياسيًا بامتياز.

حمدون القراص

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى