إفتتاحية

التعليم الأولي بالمغرب: قطاع أساسي يُدار بمنطق الهشاشة

يعود ملف التعليم الأولي في المغرب إلى الواجهة من جديد، على وقع تصعيد شغيلة هذا القطاع لمطالبها المتعلقة بالإدماج في الوظيفة العمومية والزيادة في الأجور. إعلان إضراب وطني جديد، مرفوق بأشكال احتجاجية أمام المديريات الإقليمية، يعكس حالة احتقان متراكمة، ويطرح أسئلة جوهرية حول طريقة تدبير أحد أكثر الأسلاك التعليمية حساسية وتأثيرًا في مستقبل المنظومة التربوية.

التعليم الأولي يُجمع الخبراء والتقارير الرسمية على كونه الأساس الذي تُبنى عليه كل المراحل اللاحقة من التعلم. ورغم ذلك، ما يزال هذا السلك يُدار خارج منطق الاستقرار المهني، عبر نموذج يقوم على التفويض لجمعيات محلية ووطنية، بعقود عمل هشة، وأجور متدنية، ومسؤوليات موزعة بشكل يجعل المحاسبة شبه غائبة.

شغيلة التعليم الأولي تؤكد أن لجوءها إلى التصعيد لم يكن خيارًا أوليًا، بل نتيجة مسار طويل من التجاهل. فحسب المعطيات المتداولة، فإن عددًا من المربين والمربيات يتقاضون أجورًا لا تتجاوز في المتوسط 3000 درهم، بل إن بعضهم لم يتوصل بأجره لأشهر متتالية. هذه الأوضاع، في قطاع يُفترض أنه يؤطر الأطفال في مرحلة دقيقة من نموهم، تطرح إشكالًا أخلاقيًا قبل أن يكون مهنيًا.

في المقابل، تَعتبر وزارة التربية الوطنية أن نموذج الشراكة مع الجمعيات مكّن من توسيع عرض التعليم الأولي وتعميمه في آجال قياسية. غير أن هذا التوسع الكمي لم يُواكَب بإجراءات كافية لضمان جودة التأطير واستقرار الموارد البشرية. فالتفويض، كما يلاحظ متابعون، تحوّل في كثير من الحالات من آلية تنظيمية إلى وسيلة للتنصل من المسؤولية المباشرة عن شروط العمل.

أحد أبرز مظاهر هذا الخلل يتمثل في تداخل الأدوار. الدولة تضع الإطار العام وتعلن التزاماتها، بينما تُسند التنفيذ إلى جمعيات تختلف في قدراتها والتزامها بالقانون. والنتيجة هي تفاوت كبير في الأجور، وتأخر في صرف المستحقات، وعدم احترام الزيادات القانونية في عدد من الحالات، دون تدخل حازم يعيد الانضباط إلى المنظومة.

كما يثير هذا الوضع تساؤلات حول العدالة داخل المنظومة التعليمية نفسها. فبينما تُطرح ملفات أسلاك تعليمية أخرى ضمن الحوارات الاجتماعية وتُعالج وفق جداول زمنية واضحة، يظل ملف التعليم الأولي مؤجلًا أو مشروطًا، ما يعزز شعور الشغيلة بأنها تُصنَّف في مرتبة أدنى، رغم الدور المحوري الذي تؤديه.

الأثر لا يقتصر على المربين وحدهم. هشاشة وضعية الشغيلة تنعكس بشكل مباشر على جودة التعليم المقدم للأطفال. فعدم الاستقرار المهني، والضغط المعيشي، وتغيّر الأطر باستمرار، كلها عوامل تضعف شروط التعلم السليم في مرحلة يفترض أن تكون قائمة على الطمأنينة والاستمرارية.

في العمق، لا يتعلق النقاش فقط بمطلب الإدماج في الوظيفة العمومية أو الزيادة في الأجور، بل بنموذج تدبير التعليم الأولي نفسه. هل يُراد لهذا السلك أن يكون جزءًا فعليًا من المدرسة العمومية، أم مجرد خدمة اجتماعية منخفضة الكلفة؟ وهل يمكن الحديث عن إصلاح تربوي شامل في ظل قاعدة تعليمية تقوم على الهشاشة؟

استمرار الوضع على ما هو عليه يحمل مخاطر واضحة. فالتصعيد النقابي مرشح للتوسع، والثقة في السياسات العمومية تزداد تآكلًا، فيما يدفع الأطفال ثمن اختلالات لا يد لهم فيها. في المقابل، فإن معالجة الملف بشكل جذري تتطلب شجاعة سياسية، وإعادة نظر في نموذج التفويض، وربط التعميم بالجودة والكرامة المهنية.

يبقى التعليم الأولي اختبارًا حقيقيًا لجدية الإصلاح التعليمي في المغرب. فإما أن يُعاد الاعتبار لهذا السلك بوصفه استثمارًا في المستقبل، أو يستمر التعامل معه كعبء إداري مؤجل، بكل ما يحمله ذلك من كلفة اجتماعية وتربوية على المدى المتوسط والبعيد.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى