MADINA AR

تجاهل “البوليساريو” في مدريد… رسالة دبلوماسية أم إعادة تموضع إقليمي؟

أثار تجاهل وزير الخارجية الإسباني الإشارة إلى جبهة “البوليساريو” خلال لقاءاته الرسمية الأخيرة في مدريد موجة ردود فعل غاضبة داخل مخيمات تندوف، وفتح في الوقت نفسه باب التأويلات السياسية حول دلالات هذا التطور في مسار تدبير ملف الصحراء.

الوزير الإسباني أعلن عن اجتماعات عقدها مع وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، إضافة إلى المبعوث الأممي إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، مؤكداً دعم بلاده للمسار الأممي. غير أن غياب أي إشارة إلى استقبال وفد يمثل الجبهة الانفصالية لم يمرّ دون انتباه، خاصة في ظل سياق إقليمي ودولي يشهد تحركات مكثفة بخصوص النزاع.

دلالة الاستبعاد

في القراءة السياسية، لا تُختزل اللقاءات الدبلوماسية في بعدها البروتوكولي. فترتيب الأطراف المستقبَلة، ومن يُذكر ومن يُغفل، كلها رسائل ضمنية. بعض المحللين يرون أن استثناء “البوليساريو” يعكس تحولا في المقاربة الإسبانية، باتجاه التركيز على الدول المعنية مباشرة بالنزاع، خصوصًا الجزائر باعتبارها طرفًا إقليميًا أساسيًا في الملف.

إسبانيا، التي غيّرت موقفها الرسمي في مارس 2022 بدعمها مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه الرباط، تبدو اليوم أكثر انسجامًا مع هذا التوجه، خاصة في ظل التنسيق المتزايد مع واشنطن، التي تدفع بدورها نحو مقاربة “واقعية” للحل.

الحضور الأمريكي… وإعادة ترتيب الأولويات

لا يمكن فصل هذه التطورات عن الحضور الأمريكي المتنامي في شمال إفريقيا والساحل. فواشنطن تنظر إلى استقرار المنطقة باعتباره أولوية أمنية، في ظل التحديات المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والطاقة. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى نزاع الصحراء باعتباره أحد العوامل المعيقة لإعادة تطبيع العلاقات المغربية–الجزائرية.

إسبانيا، بحكم موقعها الجغرافي ومصالحها الاستراتيجية في الضفة الجنوبية للمتوسط، تجد نفسها معنية بإعادة ضبط مقاربتها بما ينسجم مع هذا التوجه الدولي.

هل نحن أمام مرحلة جديدة؟

بعض القراءات تعتبر أن ما جرى في مدريد ليس حدثًا معزولًا، بل مؤشرًا على دخول الملف مرحلة مختلفة، تُركّز أكثر على الدول بدل الكيانات غير المعترف بها دوليًا كدول ذات سيادة. غير أن هذا لا يعني بالضرورة إقصاءً رسميًا للجبهة من المسار الأممي، الذي ما يزال يعترف بها كطرف في العملية السياسية.

التحول، إن وُجد، يتمثل أساسًا في ثقل الأطراف داخل التفاوض، وليس في إعادة تعريف قانوني فوري للمسار.

الغضب في تندوف… ومخاوف التهميش

ردود الفعل داخل مخيمات تندوف تعكس قلقًا من تراجع الوزن السياسي للجبهة في النقاشات الدولية. فالتطورات الأخيرة قد تُقرأ على أنها تهميش متدرج لدورها، في مقابل إبراز الجزائر كطرف محوري في أي حل مستقبلي.

غير أن أي تسوية دائمة للنزاع ستظل رهينة توازنات معقدة، تشمل الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والقوى الدولية المؤثرة، إضافة إلى الحسابات الداخلية لكل طرف.

بين الرمزية والواقع

في المحصلة، تجاهل ذكر “البوليساريو” في مدريد قد يكون رسالة سياسية محسوبة، لكنه لا يعني إعلان نهاية مسار تفاوضي دام عقودًا. النزاع ما يزال مفتوحًا، والملف لم يُغلق بعد، رغم المؤشرات المتزايدة على انتقاله إلى مرحلة أكثر براغماتية.

يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الإشارات الدبلوماسية إلى مسار تفاوض مباشر أكثر وضوحًا بين الدول المعنية؟ أم أن الأمر يظل ضمن لعبة التوازنات الرمزية في انتظار محطة تفاوضية حاسمة؟

الأكيد أن ما حدث في مدريد يعكس تحركًا في المياه الراكدة، لكنه لا يكفي وحده للقول إن الملف دخل منعطفه النهائي.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى