من “اللكمة الأولى” إلى “أنا وحدي أستطيع”.. هل ترامب “مجنون” فعلًا أم لاعب صدمات محسوبة؟

أثار الرئيس الأميركي Donald Trump جدلًا متجددًا بعد إلقائه كلمة أمام القوات في فورت براغ بولاية كارولاينا الشمالية، وسط استمرار السجال حول أسلوبه السياسي الذي يتأرجح بين الصدمة والتحدي والتضخيم الذاتي. وبين من يراه اندفاعيًا تحركه نزعة فردية مفرطة، ومن يعتبره صاحب نهج مدروس قائم على تكتيكات متكررة، يعود السؤال إلى الواجهة: هل تصرفات ترامب عشوائية فعلًا، أم أنها جزء من استراتيجية ثابتة؟
في مقال نشرته مجلة Newsweek، يحاول الكاتب توم روجرز تفكيك هذا اللغز، مستندًا إلى كتاب مرتقب بعنوان Trump’s Ten Commandments لمؤلفه الأكاديمي في جامعة ييل جيفري سوننفيلد. ويرى المقال أن فهم سلوك ترامب يتطلب قراءة ما يشبه “دليل تشغيل” يتكرر عبر مواقف متعددة، بغض النظر عن السياق.
يومًا بعد يوم، يبرز مثال جديد يعكس هذا النمط. من إلغاء تمويل مشروع نفق حيوي بين نيويورك ونيوجيرسي، مع التلميح إلى إعادة التمويل مقابل إطلاق اسمه على محطة “بن”، إلى طرح فكرة إعادة تسمية مطار دالاس باسمه، تتجسد نزعة وضع العلامة الشخصية في قلب الفضاء العام. بالنسبة لمنتقديه، تبدو هذه الممارسات تعبيرًا عن تضخم الأنا، لكنها وفق التحليل المطروح في المقال تندرج ضمن تكتيك ثابت يهدف إلى خلق صدمة أولى، ثم التراجع الجزئي نحو مكسب سياسي أو رمزي.
يركز الكتاب على عشر “وصايا” يكررها ترامب باستمرار، ويُبرز المقال ثلاثًا منها باعتبارها الأكثر دلالة. الأولى هي “اللكمة الأولى”: بدء التفاوض بموقف متطرف ومربك، يضع الخصم في حالة دفاع منذ اللحظة الأولى. الثانية ما يسميه المؤلفان “تأثير النائم”، أي تكرار الادعاءات بثقة كاملة حتى تتحول، بمرور الوقت، إلى قناعات راسخة لدى جزء من الجمهور. أما الثالثة فهي متلازمة “أنا وحدي أستطيع”، حيث يُقدّم ترامب نفسه بوصفه الفاعل الأوحد القادر على إصلاح الأوضاع، في خطاب يمزج بين البطولة الفردية والتهويل.
ويستحضر المقال تجربة سوننفيلد مع ترامب منذ أيام برنامج The Apprentice، حين كان البرنامج يقدم صورة درامية عن القيادة. ورغم التقارب الشخصي في بدايات العلاقة، انتهى الأمر بسوننفيلد إلى انتقاد سياسات ترامب علنًا، دون أن ينكر في الوقت نفسه وجود منهج متكرر في سلوك الرئيس.
في المقابل، يحذر التحليل من خطأ التقليل من براعة ترامب الاستراتيجية عبر وصفه بالاندفاع أو الجنون. فحتى لو بدت بعض مواقفه، مثل طرح فكرة ضم Greenland، صادمة أو غير واقعية، فإنها – بحسب القراءة المطروحة – قد تكون جزءًا من تكتيك تفاوضي يهدف إلى توسيع هامش المناورة ورفع سقف المطالب.
يبقى الجدل مفتوحًا بين من يفسر هذا السلوك بوصفه اضطرابًا في الشخصية، ومن يراه استراتيجية صدمات محسوبة. لكن المؤكد، وفق المقال، أن عنصر المفاجأة لم يعد مفاجئًا، وأن تكرار النمط بات في حد ذاته قاعدة يمكن التنبؤ بها. وبين الدهشة واللامبالاة، ينجح ترامب مرة أخرى في إبقاء نفسه في مركز المشهد، حيث تختلط السياسة بالاستعراض، والتكتيك بالدراما، في معادلة يصعب فصل مكوناتها.

