السجون الإسرائيلية وحاضنة القيادات الفلسطينية: قراءة في مسار يحيى السنوار

لم تكن السجون الأمنية الإسرائيلية، وفق ما كشفه مسؤول أمني سابق، مجرد فضاءات للاحتجاز أو آلية لعزل الناشطين الفلسطينيين عن الميدان، بل تحولت عبر عقود إلى فضاء مركزي في إعادة تشكيل القيادة وبناء الهرمية التنظيمية للفصائل. هذه القراءة، التي قدمها موشيه فوزايلوف، الباحث في معهد “مسغاف للأمن القومي” والمسؤول السابق في جهاز الشاباك، تعيد طرح سؤال عميق حول طبيعة إدارة الصراع، ليس فقط في ساحات المواجهة المفتوحة، بل داخل الجدران المغلقة.
في حديثه لصحيفة “معاريف”، اعتبر فوزايلوف أن أحد الإخفاقات المفاهيمية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية تمثل في التعامل مع السجون باعتبارها منشآت احتجاز فقط، في حين أنها شكلت، بحسب توصيفه، “ساحة استراتيجية صامتة” جرى فيها صراع طويل على الوعي والقيادة ومستقبل المواجهة. فداخل تلك الفضاءات، لم يكن الاعتقال نهاية المسار بالنسبة للعديد من المنتمين للفصائل المسلحة، بل مرحلة انتقالية أعادت ترتيب المواقع وأنتجت قيادات جديدة أكثر تنظيماً وخبرة.
من بين الأسماء التي أشار إليها فوزايلوف، يبرز
يحيى السنوار،
الذي دخل السجن في أواخر الثمانينيات كناشط ميداني، قبل أن يخرج – وفق الرواية الإسرائيلية – بشخصية قيادية أكثر تبلوراً. ويعتبر المسؤول السابق أن سنوات الاعتقال لم تُضعف موقعه، بل أتاحت له تعميق رؤيته الاستراتيجية ودراسة المجتمع الإسرائيلي وآليات اتخاذ القرار فيه. ويستحضر المثال ذاته في حالة
أحمد الجعبري،
الذي تطور مساره القيادي بعد تجربة السجن، ليصعد لاحقاً إلى مواقع متقدمة داخل الجناح العسكري لحركة
حركة حماس.
الرواية التي يقدمها فوزايلوف تعكس مراجعة داخل بعض الدوائر الأمنية الإسرائيلية لطريقة إدارة ملف الأسرى، إذ يعتبر أن السجون تحولت، خلال سنوات طويلة، إلى فضاء لإعادة الإنتاج التنظيمي، حيث تتم عمليات الفرز، وبناء التسلسل القيادي، وترسيخ الانضباط، وحتى النقاشات الفكرية. ويذهب إلى أن الأجهزة الأمنية كانت تركز على إحباط العمليات في الخارج، بينما تتشكل داخل السجون نواة قيادية جديدة “تحت مسؤوليتها”، على حد تعبيره.
في السنوات الأخيرة، يشير المسؤول السابق إلى تحول في المقاربة، حيث بات يُنظر إلى السجون الأمنية كحيز عملياتي يتطلب تدخلاً لمنع تشكل هياكل قيادية داخلية، عبر تفكيك التسلسلات الهرمية وتشتيت شبكات التواصل التنظيمي. هذا التغيير يعكس إدراكاً متأخراً لطبيعة الدور الذي لعبته السجون في مسار الصراع.
غير أن هذه القراءة، رغم أهميتها في فهم التحولات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تبقى جزءاً من رواية صادرة عن طرف في النزاع، وتخضع بدورها لتقديرات سياسية وأمنية. فالسجون في السياق الفلسطيني لم تكن فقط فضاءً تنظيمياً، بل أيضاً رمزاً مركزياً في الذاكرة الوطنية، ومجالاً لتجارب إنسانية معقدة تتجاوز التحليل الأمني الصرف.
بين الجدران الصامتة للسجون، يتقاطع الأمني بالسياسي، والتكتيكي بالرمزي. وما يكشفه مسؤولون سابقون اليوم يعيد طرح سؤال قديم: هل يمكن لأي سياسة احتجاز أن تنهي مسار فكرة، أم أنها أحياناً تعيد تشكيلها في صورة أكثر صلابة؟

