مقالات رأي

الساعة الإضافية في المغرب: حين تتحول عقارب الزمن إلى قرار ضد المجتمع

في المغرب، لم تعد الساعة الإضافية مجرد توقيت رسمي.

أصبحت رمزاً سياسياً صارخاً لعلاقة مختلة بين القرار العمومي وحياة المواطنين.

كل سنة يتكرر نفس المشهد.
احتجاج صامت في البيوت.
غضب في المدارس.
تذمر في وسائل النقل.
ثم صمت رسمي ثقيل… وكأن المجتمع مطالب بالتأقلم قسراً مع قرار لا يفهمه ولا يريده.

السلطة تسميه إصلاحاً زمنياً.
لكن المواطن يعيشه كعقوبة يومية.

قرار بلا نقاش… ومجتمع بلا صوت

فرض توقيت GMT+1 سنة 2018 بمرسوم حكومي سريع.
لم يقع استفتاء.
لم يحدث نقاش وطني واسع.
ولم تقدم دراسة شفافة تقنع الرأي العام بأن المكاسب الاقتصادية تفوق الخسائر الاجتماعية.

ومنذ ذلك اليوم، لم ينته الجدل.
بل تحول إلى أحد أكبر مؤشرات أزمة الثقة السياسية.

الأخطر ليس القرار نفسه.
بل الطريقة التي اتُّخذ بها.

حين يشعر المواطن أن الدولة تضبط حتى ساعة استيقاظه دون استشارته،
فالأمر لم يعد تدبيراً إدارياً… بل ممارسة سلطة فوقية.

https://s7d1.scene7.com/is/image/wbcollab/shutterstock_1101630182?fmt=webp&qlt=90&resMode=sharp2

أطفال في الظلام… واقتصاد في الوهم

يخرج ملايين التلاميذ قبل شروق الشمس.
شوارع مظلمة.
برد قارس.
إرهاق مزمن يبدأ منذ الطفولة.

في المقابل، لا توجد أرقام حاسمة تثبت أن الإنتاجية ارتفعت فعلاً.
ولا دليل واضح على توفير طاقي حقيقي طويل المدى.

المفارقة المؤلمة أن القرار الذي قُدم باسم الاقتصاد،
صار يستهلك طاقة المجتمع نفسه.

مجتمع متعب لا ينتج أكثر.
بل ينجو فقط من يومه.

الانتهازية السياسية المكشوفة

أحزاب سياسية قادت الاحتجاج ضد الساعة الإضافية عندما كانت في المعارضة.
رفعت شعارات الدفاع عن “راحة المواطن”.
ثم، فور الوصول إلى الحكومة، تحولت إلى أكبر المدافعين عنها.

هنا فقد النقاش طابعه التقني.
وأصبح دليلاً على أزمة أخلاق سياسية.

المشكل لم يعد في الساعة.
بل في مصداقية الفاعل السياسي.

انتظار أوروبا… أم غياب القرار السيادي؟

الذريعة الأكثر استعمالاً هي التنسيق مع أوروبا.
لكن أوروبا نفسها تناقش منذ سنوات التخلي عن نظام تغيير الساعة.

وهنا يظهر السؤال المحرج:

هل توقيت المغاربة قرار وطني؟
أم ملحق زمني بالاقتصاد الأوروبي؟

دولة تحترم مواطنيها لا تنتظر الضوء الأخضر الخارجي لتحدد إيقاع حياتهم اليومية.

السيادة تبدأ من أبسط التفاصيل.
حتى من عقارب الساعة.

الساعة كمرآة لأزمة أعمق

الساعة الإضافية كشفت شيئاً أخطر من الجدل الزمني.
كشفت نموذج حكم يعتقد أن التكيف واجب على المجتمع دائماً،
وليس على القرار العمومي.

كل صباح مظلم يخرج فيه طفل إلى المدرسة،
هو تذكير صغير بأن السياسات العمومية قد تنجح اقتصادياً… لكنها تفشل إنسانياً.

السؤال الذي يطارد الحكومة

إذا كان القرار ناجحاً فعلاً،
فلماذا يعود الغضب كل سنة؟

وإذا كان المواطن مخطئاً،
فلماذا لم تستطع الدولة إقناعه بعد سبع سنوات؟

الزمن لا يقاس بالساعات فقط.
بل بدرجة رضا الناس عن الطريقة التي يُدار بها.

واليوم، تبدو الساعة الإضافية أقل مشكلة زمنية…
وأكثر دليل على فجوة سياسية تتسع بصمت بين الدولة والمجتمع.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد،
ليس أن يختلف مواطنوه حول التوقيت،
بل أن يشعروا أن وقتهم لم يعد ملكاً لهم.

طه رشيد

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى