سياسة المدن

كابوس “سامير” بين ذاكرة الخوصصة وأسئلة الماء والكهرباء

منذ توقف شركة ساميرعن التكرير سنة 2015، تحوّل الملف إلى مرجع وطني لكل نقاش حول الخوصصة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بديون قاربت 40 مليار درهم، ولا بالأضرار البيئية التي خلفها توقف المصفاة في المحمدية، بل صار عنواناً لأسئلة أعمق: كيف تُدار المرافق الاستراتيجية؟ ومن يراقب؟ ومن يتحمل الكلفة حين يفشل النموذج؟

اليوم، ومع شروع الدولة في إعادة هيكلة قطاعات الماء والكهرباء والهيدروكاربورات عبر تحويلها إلى شركات مساهمة، يعود “كابوس سامير” إلى الواجهة، لا كحنين إلى الماضي، بل كتحذير من تكرار أخطاء لم تُحاسب بعد.

حين تصبح الخوصصة مقامرة

تم تفويت “سامير” في إطار برنامج الخوصصة، وسط جدل مبكر حول شفافية الصفقة وتضارب المصالح. وبعد سنوات قليلة، تراكمت الديون إلى مستويات قياسية، توزعت بين مستحقات ضريبية وجمركية وديون بنكية وموردين دوليين. وفي 2015 توقفت المصفاة نهائياً، ودخلت مسار التصفية القضائية، لتضيع آلاف مناصب الشغل، وتفقد البلاد قدرتها على تكرير النفط محلياً.

الخسارة لم تكن مالية فقط. فقد كان لتوقف المصفاة أثر بيئي في المنطقة الصناعية بالمحمدية، وأثر سيادي في مجال الطاقة. وبقي السؤال مفتوحاً: هل كانت المشكلة في الملكية العمومية أم في غياب الحوكمة والرقابة الصارمة بعد التفويت؟

التحول الجديد: من الخدمة الاجتماعية إلى المنطق المقاولاتي

اليوم، يدخل المغرب مرحلة جديدة بإقرار القانون 21-83 المتعلق بإحداث شركات جهوية متعددة الخدمات لتدبير الماء والكهرباء، في انتقال من مفهوم “المرفق الاجتماعي” إلى منطق الشركة ذات الطابع الربحي. كما يجري تحويل
المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن
إلى شركة مساهمة تمهيداً لفتح رأسماله.

الحكومة تبرر الإصلاح بثقل الديون التي تناهز 320 مليار درهم بالنسبة للمؤسسات العمومية، وبحاجة القطاع إلى استثمارات وخبرات جديدة، وتخفيف العبء عن الميزانية. الأهداف المعلنة واضحة: تحسين الخدمة، جذب التمويل، وتعزيز النجاعة.

غير أن المخاوف لا تقل وضوحاً. فالماء والكهرباء ليسا سلعتين عاديتين، بل ركيزتان للحق في العيش الكريم. وإذا لم تُصمَّم الضمانات بعناية، قد نشهد ارتفاعاً في الفواتير، أو تفاوتاً بين الجهات المربحة والجهات الهشة، أو تراجعاً في مبدأ التضامن المجالي.

هل تتكرر أخطاء الماضي؟

أوجه التشابه التي تثير القلق لا تتعلق بالخوصصة في حد ذاتها، بل بالسياق المصاحب لها: سرعة تمرير النصوص، ضعف النقاش العمومي، غياب تقييم مستقل ودوري، وهشاشة آليات المراقبة البعدية. هذه العناصر نفسها كانت حاضرة في تجربة “سامير”.

الدرس الأساسي الذي لم يُحسم بعد هو أن تغيير الملكية لا يعني تلقائياً تحسين الحكامة. القطاع العام قد يعاني من البيروقراطية، لكن القطاع الخاص قد يقع في فخ تعظيم الربح على حساب الخدمة. وفي الحالتين، يبقى المواطن الحلقة الأضعف إن غابت المحاسبة.

العقد الاجتماعي على المحك

المرافق الحيوية ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل تعبير عن عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن. فإذا تحول الماء والكهرباء إلى منطق تجاري صرف دون حماية الفئات الهشة، فإن الثقة ستتآكل. وإذا لم تكن هناك شفافية كاملة في العقود، وآليات رقابة صارمة، وتقارير تقييم منشورة للرأي العام، فإن أي تعثر سيعيد إلى الأذهان صورة المصفاة الصدئة في المحمدية.

“سامير” لم تكن فقط شركة أفلست، بل تجربة كشفت حدود الخوصصة حين تغيب الضوابط. والرهان اليوم ليس في رفض الإصلاح أو قبوله، بل في ضمان أن يكون شفافاً، عادلاً، وقابلاً للمساءلة.

السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إصلاحاً؟
بل: هل تعلمنا بما يكفي حتى لا يدفع المواطن الفاتورة مرتين؟

طه رشيد

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى