بين حلم الاستوزار وهاجس المغادرة… ماذا بعد السلطة في التجربة الحكومية المغربية؟

مع اقتراب كل محطة انتخابية في المغرب، لا يقتصر النقاش السياسي على الأحزاب والتحالفات المقبلة فقط، بل يمتد أيضاً إلى مصير النخب الحكومية بعد مغادرة السلطة. فالكراسي الوزارية، التي تمثل ذروة المسار السياسي بالنسبة لكثيرين، تتحول فجأة إلى مرحلة عابرة تطرح سؤالاً صعباً: ماذا بعد الوزارة؟
التقارير المتداولة أخيراً تتحدث عن تفكير بعض أعضاء الحكومة الحالية في الابتعاد عن المشهد السياسي، بل وحتى التوجه نحو الهجرة المهنية إلى الخارج، خصوصاً نحو الولايات المتحدة أو كندا أو فرنسا، في مقابل طموح أسماء أخرى للصعود إلى مواقع وزارية خلال التشكيلة الحكومية المقبلة. وبين الاتجاهين، يظهر واقع سياسي يعكس هشاشة الانتقال من السلطة إلى الحياة المهنية أو العمومية العادية.
المفارقة أن المنصب الوزاري في المغرب غالباً ما يمنح حضوراً قوياً أثناء الولاية الحكومية، لكنه لا يضمن بالضرورة امتداداً طبيعياً بعد انتهائها. فبخلاف أنظمة سياسية تمتلك تقاليد راسخة لإعادة إدماج المسؤولين السابقين داخل مراكز التفكير أو المؤسسات الاستراتيجية أو القطاع الخاص، يجد بعض الوزراء أنفسهم أمام فراغ مهني أو سياسي بمجرد مغادرة المنصب.
هذا الوضع يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة النخبة السياسية نفسها. هل تُبنى المسارات الحكومية على كفاءات قابلة للاستمرار خارج السلطة، أم على توازنات ظرفية مرتبطة بلحظة سياسية معينة؟ فحين يصبح المنصب هو مركز الثقل الوحيد في المسار المهني، تتحول نهايته إلى صدمة شخصية ومؤسساتية في آن واحد.
وفي المقابل، يكشف الحديث عن طموحات استوزارية جديدة أن الحقل السياسي ما يزال ينظر إلى الحكومة باعتبارها أفقاً أساسياً للترقي، أكثر من كونها مرحلة خدمة عمومية محددة بزمن ونتائج. وهو ما يعزز صورة السياسة كمجال مرتبط بالموقع أكثر من المشروع، وبالمنصب أكثر من الأداء.
غير أن تعميم هذا التصور يبقى تبسيطاً للواقع. فهناك وزراء سابقون عادوا إلى مجالاتهم الأصلية في التعليم العالي أو الطب أو المحاماة أو عالم الأعمال، مستفيدين من خبرتهم الحكومية لتعزيز مساراتهم المهنية. المشكلة إذن ليست في مغادرة السلطة، بل في غياب مسارات مؤسساتية واضحة تُحوّل التجربة الحكومية إلى قيمة مضافة مستدامة.
في العمق، تعكس هذه الظاهرة تحدياً يواجه عدداً من الديمقراطيات الناشئة: كيف يمكن جعل المسؤولية الحكومية مرحلة من مسار مهني طبيعي، لا نقطة نهاية أو بداية قطيعة؟ فالدولة التي تحتاج إلى كفاءات داخل الحكومة تحتاج أيضاً إلى خبراتها خارجها، سواء في الإدارة أو البحث أو الاقتصاد.
وبين من يفكر في مغادرة البلاد بحثاً عن أفق جديد، ومن ينتظر فرصة دخول الحكومة المقبلة، يبقى السؤال الأهم متعلقاً بجاذبية العمل السياسي نفسه: هل ما تزال السياسة مجالاً للإنتاج العمومي طويل المدى، أم أصبحت محطة مؤقتة مرتبطة بدورة السلطة؟
الجواب عن هذا السؤال لا يهم الوزراء وحدهم، بل يهم مستقبل الثقة في العمل العمومي، لأن قوة أي نظام سياسي لا تُقاس فقط بمن يصل إلى السلطة، بل أيضاً بكيفية خروجه منها، وبقدرته على الاستمرار في خدمة المجتمع خارج دائرة المنصب.