النفط.. سلاح الحروب ورهينة الصراع: لماذا يدفع العالم ثمن نزاعات لم يشعلها؟

في صباح يوم اثنين عادي، وتحديداً في الثاني من مارس 2026، استيقظ العالم على صدمة جديدة. فجأة، قفزت أسعار النفط بنسبة 13% في غضون ساعات. الرقم وحده كان صادماً، لكن الأكثر إثارة للقلق هو السبب: ليست عاصفة طبيعية، ولا أزمة تقنية، بل غارات جوية وقصف بحري في منطقة الشرق الأوسط. بينما كان السياسيون يتبادلون التصريحات النارية، كانت ناقلات النفط تشتعل في الماء، ومضيق هرمز، ذلك الشريان الضيق الذي يمر عبره 20% من استهلاك العالم من النفط، يتحول إلى بقعة صراع عسكري. في هذه اللحظة، يدرك المواطن العادي في أي بلد عربي غير نفطي، أو في أوروبا أو آسيا، أن مصير دخله الشهري وفاتورة الوقود وسعر رغيف الخبز لم يعد بيده، بل بيد القنابل التي تسقط على الجانب الآخر من الكوكب. النفط لم يعد مجرد سلعة، بل أصبح ورقة ضغط، ورهينة، وسلاحاً بامتياز.
تعيش أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكثر لحظاتها تقلباً، مع عودة المخاوف الجيوسياسية إلى الواجهة بقوة. فبعد التصعيد العسكري الأخير والضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، قفز خام برنت إلى 80.16 دولاراً للبرميل مسجلاً زيادة قاربت 10%، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 72.55 دولاراً. هذه الأرقام ليست مجرد أرقام في نشرات مالية جافة، بل هي إنذار مبكر لعاصفة تضخمية جديدة.
اللافت هنا أن هذا الارتفاع يأتي في وقت كان من المتوقع فيه أن تشهد الأسواق فائضاً كبيراً في المعروض، خاصة بعد قرار تحالف “أوبك+” زيادة الإمدادات. لكن المعادلة تغيرت. فبمجرد أن تهدد صواريخ أو زوارق مسيرة حركة النقل في مضيق هرمز، تنقلب كل التوقعات رأساً على عقب. إيران تعلن أن الممر المائي لا يزال مفتوحاً، لكنها في الوقت نفسه تقول إنها هاجمت ناقلات نفط. والرئيس الأميركي دونالد ترمب يعلن من جانبه تدمير تسع سفن بحرية إيرانية. في هذه البيئة الملتهبة، يصبح النفط سلعة استراتيجية وهشة في آن معاً.
هذا المشهد يطرح سؤالاً عميقاً: أين يذهب صوت الدول غير المنتجة للنفط في هذه المعادلة؟ الدول التي لا تملك آباراً ولا تملك صواريخ تطلقها لحماية مصالحها، هي أول من يدفع الفاتورة. ارتفاع النفط يعني ارتفاع تكاليف الشحن، وارتفاع أسعار المواد الغذائية المستوردة، وارتفاع فواتير الكهرباء، وزيادة التضخم الذي يلتهم دخول المواطنين. البنوك المركزية في هذه الدول تجد نفسها في مأزق: هل ترفع الفائدة لكبح التضخم وتخنق النمو، أم تترك الأسعار ترتفع لتندلع ثورة غلاء؟ إنها معادلة مستعصية، يبدع في تعقيدها أولئك الذين يشعلون الحروب في مناطق إنتاج الطاقة.
محللون في “سيتي غروب” يرون أن النفط سيتداول بين 80 و90 دولاراً في الأسبوع المقبل على الأقل. لكن ماذا بعد ذلك؟ هل هناك ضمانات بعدم تجاوز حاجز 100 دولار إذا توسعت رقعة الاشتباكات؟ الأكيد أن المنطقة أشبه ببرميل بارق، وأي شرارة قد تجعل الجميع يدفع الثمن.
ما يحدث اليوم في أسواق النفط ليس مجرد أزمة طاقة عابرة، بل هو إنذار متجدد لعالم يظل رهينة لصراعات لم يشعلها. الدول غير المنتجة، والمجتمعات الفقيرة، والطبقات الوسطى في كل مكان، هي التي تدفع ضريبة هذا الجنون الجيوسياسي. إن تحول النفط إلى سلاح في يد السياسيين والعسكر يعني أن استقرار حياة ملايين البشر يمكن أن يُضرب في لحظة غضب أو بقرار من غرفة عمليات بعيدة.
التحذير هنا ليس من حرب النفط فقط، بل من أوهام الاستقرار. فكلما اعتقد العالم أنه تجاوز مرحلة التبعية للنفط، تعود الأزمات لتثبت أن هذا المورد لا يزال شريان الاقتصاد العالمي، وأي انسداد فيه يعني اختناقاً للجميع. إن لم تدرك الدول المستوردة حجم المخاطر التي تتعرض لها، وتسرع في تنويع مصادر طاقتها والبحث عن بدائل حقيقية، فستظل رهينة لأزمات لا تنتهي. وعندها، سيكون السؤال الوحيد الذي يطرحه المواطن العادي في كل مرة تشتعل فيها المنطقة: “لماذا أدفع ثمن حروب لا ذنب لي فيها؟” وستبقى الإجابة مخزية: لأن العالم لا يزال يسمح للنفط أن يكون سلاحاً قبل أن يكون سلعة.
طه رشيد