MADINA AR

جبهات النار والأسطورة: من «عماليق» الذاكرة إلى حسابات الحرب المعاصرة

في لحظات التصعيد الكبرى، لا تتحرك الجيوش وحدها.
تتحرك أيضًا الذاكرة، والأساطير، والرموز الدينية، والخطابات المؤسسة للهوية. وهذا ما يجعل بعض الحروب أخطر من مجرد مواجهة عسكرية، لأنها تُخاض بالسلاح من جهة، وبالتاريخ المؤوَّل من جهة أخرى.

ما يجري اليوم في الصراع المتصاعد بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، لا يمكن فهمه فقط بمنطق الضربات والردود. هناك مستوى آخر من الصراع يتغذى من استدعاء سرديات قديمة، تُستحضر لتبرير الحاضر وإعادة شحنه أخلاقيًا وعقائديًا.

من الذاكرة الدينية إلى التعبئة السياسية

في الوعي الديني اليهودي، تحتل قصة إستير وهامان في الإمبراطورية الفارسية القديمة مكانة رمزية كبيرة، ويُخلَّد هذا الحدث في عيد البوريم (المساخر). وفي هذا السياق، تُستحضر أيضًا ذاكرة “عماليق” بوصفها رمزًا للعدو الوجودي في المخيال التوراتي.

المشكلة لا تبدأ في النصوص الدينية ذاتها، بل في كيفية توظيفها سياسيًا داخل سياقات الحرب المعاصرة. فعندما يجري نقل رموز دينية من مجال الذاكرة إلى مجال القرار العسكري، تصبح الحرب أكثر من صراع مصالح؛ تتحول إلى صراع وجودي مفتوح، يصعب فيه التراجع أو التسوية.

هذا ما يفسر لماذا يثير استدعاء رموز مثل “هامان” و”فارس القديمة” حساسية كبيرة حين يُربط مباشرة بإيران المعاصرة.

نتنياهو واستدعاء “فارس القديمة” في لحظة الحرب

خلال الأيام الأخيرة، ومع تصاعد الحرب، برز هذا التوظيف الرمزي بشكل واضح في الخطاب الإسرائيلي. فقد نشرت وسائل إعلام إسرائيلية نص خطاب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ربط فيه بين عيد البوريم و”فارس القديمة”، معتبرًا أن الخطر الحالي يعيد إنتاج تهديد تاريخي قديم. كما تناولت تحليلات إسرائيلية ويهودية هذا الربط بين البوريم والتطورات الأخيرة مع إيران.

سياسيًا، هذا النوع من الخطاب يؤدي وظيفتين في وقت واحد:

أولًا، يمنح الحرب معنى تاريخيًا/أخلاقيًا يتجاوز الحسابات العسكرية اليومية.
وثانيًا، يعب mobilizes الرأي العام عبر تحويل الصراع من نزاع سياسي قابل للحل إلى معركة وجودية بين “خير” و”شر”.

لكن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يرفع سقف الحرب نفسيًا ورمزيًا، ويجعل أي تهدئة تبدو كتنازل عن “رسالة تاريخية”، لا مجرد قرار سياسي.

حين يدخل التاريخ في التحليل الاستراتيجي: بين خوارزم وابن خلدون

في النصوص التحليلية التي تقرأ ما يجري اليوم، يظهر ميل متزايد إلى استحضار نماذج تاريخية كبرى:
سقوط خوارزم أمام المغول، التمدد المفرط للإمبراطوريات، ونظرية ابن خلدون حول صعود الدول وانهيارها بعد بلوغ الذروة.

هذه المقارنات ليست بلا قيمة.
فالتاريخ يعلّمنا فعلًا أن القوى التي تتوسع بسرعة، أو تُفرط في استنزاف مواردها، تدخل غالبًا في مرحلة هشاشة داخلية حتى لو بدت قوية خارجيًا. كما أن توحيد الجبهة الداخلية بالخطر الخارجي قد ينجح مؤقتًا، لكنه لا يعالج دائمًا الأزمات البنيوية.

ومع ذلك، يجب الحذر من تحويل التاريخ إلى قالب جاهز نفسر به كل ما يجري.
فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يكرر بعض آلياته: الغطرسة، الإفراط في التوسع، تجاهل الكلفة الإنسانية، ثم الوصول إلى لحظة إنهاك جماعي.

وهذا بالضبط ما يجعل المقارنة مفيدة: ليس للتنبؤ الحتمي، بل لفهم أن منطق القوة وحده لا يصنع استقرارًا طويل الأمد.

التصعيد العسكري والارتباك الأمريكي: الحرب حين ترتد إلى الداخل

على المستوى الأمريكي، لم يبقِ التصعيد في الشرق الأوسط أثره في الخارج فقط، بل ارتد بسرعة إلى الداخل الأمريكي سياسيًا وأمنيًا. فخلال الأيام الماضية، صدرت تحذيرات واسعة للرعايا الأمريكيين في دول متعددة بالشرق الأوسط، مع دعوات لمغادرة عدة بلدان، وسط إغلاقات وتعطّل في الحركة الجوية ومشاكل في الإجلاء. كما أُلغيَت زيارة كانت مرتقبة لوزير الخارجية ماركو روبيو إلى إسرائيل “بسبب الظروف الحالية”، بحسب تقارير إعلامية.

وفي السياق نفسه، نُقلت تصريحات عن روبيو تربط توقيت الضربات الأمريكية بمعطيات تتعلق بخطط إسرائيلية مسبقة واحتمال رد إيراني على المصالح الأمريكية، في تبرير يعكس منطق “الضربة الاستباقية” لتقليل الخسائر.

هذا الارتباك لا يعكس فقط ضغط المعركة، بل يكشف أيضًا معضلة أعمق:
كيف تدير واشنطن حربًا متوسعة في لحظة تعاني فيها أصلًا من تشابك ملفات كبرى (أوكرانيا، آسيا، الانقسام الداخلي، وضغط الانتخابات/السياسة الداخلية)؟

هل نحن أمام إعادة إنتاج “التمدد المفرط”؟

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من سيربح الجولة المقبلة، بل: من يملك القدرة على تحمّل الاستنزاف الأطول؟

  • إسرائيل قد تحقق تفوقًا عسكريًا تكتيكيًا، لكنها تواجه ضغطًا داخليًا واستنزافًا سياسيًا وأمنيًا.

  • إيران قد تواصل الرد عبر الشبكات الإقليمية، لكنها تتحرك تحت ضغط اقتصادي واجتماعي خانق.

  • الولايات المتحدة تملك أدوات القوة الأكبر، لكنها تواجه معضلة الانتشار الزائد وكلفة إدارة الحروب المتعددة.

  • الإقليم العربي السني، في جزء منه، يراقب بحذر بين الخوف من الانفجار الكبير والعجز عن صياغة توازن مستقل.

بهذا المعنى، نحن لا نرى فقط حربًا بين جبهتين، بل نرى تقاطُع أزمات بنيوية قد تدفع الجميع نحو إنهاك متبادل، حتى لو أعلن كل طرف “النصر” في لحظة ما.

الدرس الذي لا يتعلمه أحد

أخطر ما في الحروب التي تُغذّيها الأسطورة هو أنها تُقنع أصحاب القرار بأنهم يتحركون داخل “قدر تاريخي”، لا داخل حسابات بشرية قابلة للمراجعة. وعندما يحدث ذلك، يصبح التراجع ضعفًا، والتسوية خيانة، والعقلانية ترددًا.

هنا تحديدًا تضيع دروس التاريخ.

لم تسقط إمبراطوريات الماضي فقط لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها كانت، في لحظة قوتها، عاجزة عن رؤية حدودها.
ولم تنتهِ الحروب الكبرى دائمًا بانتصار صريح لطرف، بل كثيرًا ما انتهت بإنهاك الجميع وإعادة رسم الخرائط على أنقاض الأرواح.

خاتمة

ما نعيشه اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري بين خصوم إقليميين ودوليين، بل لحظة تختلط فيها الأسطورة بالتكتيك، والذاكرة بالعقيدة، والحساب الاستراتيجي بالغضب التاريخي.

والسؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيربح هذه الجولة؟
بل: من سيتعلم قبل فوات الأوان أن الحرب، حين تتغذى من الأسطورة، تصبح أوسع من قدرة الجميع على السيطرة؟

قد يختلف شكل النهاية، لكن الثابت في التاريخ شيء واحد:
حين تُدار المنطقة بمنطق الثأر والتمدد والغطرسة، لا يخرج أحد سالمًا بالكامل.

طه رشيد

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى