جهات

“فراقشية المقابر” تطيح بالتحالف الثلاثي في جهة الدار البيضاء-سطات

في مدينة بحجم الدار البيضاء، حيث تتراكم الملفات الثقيلة يومًا بعد يوم — من الماء والنقل إلى السكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية — كان المنتظر من مجلس جهة الدار البيضاء-سطات، خلال دورته العادية المنعقدة يوم الاثنين 2 مارس 2026، أن ينشغل بما يلامس هموم المواطنين ويجيب عن انتظاراتهم التنموية المتزايدة.

غير أن ما وقع داخل الجلسة كان صادمًا ومعبّرًا في الآن نفسه. فبدل أن يتجه النقاش نحو قضايا الجهة الكبرى، تحولت القاعة إلى فضاء للتوتر والتراشق الكلامي، وكاد الأمر أن ينزلق إلى اشتباك جسدي، بسبب خلاف حول مقعدين داخل مجلس تدبير “مقبرة الإحسان”.

المفارقة هنا لم تكن عابرة. إذ إن أول تصدع واضح داخل أغلبية جهوية وازنة لم يحدث بسبب مشروع استراتيجي أو خلاف حول ميزانية ضخمة، بل بسبب التنافس على تمثيلية مرتبطة بتدبير مقبرة. وهذا وحده كافٍ ليكشف أن الأزمة أعمق من مجرد خلاف حول مقعدين؛ إنها أزمة تحالفات هشة، وحسابات نفوذ، وغياب مشروع سياسي مشترك.

تحالف قائم على التوازن العددي لا الرؤية المشتركة

منذ البداية، بدا التحالف الثلاثي الذي يجمع حزب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة أقرب إلى تحالف تدبيري ظرفي منه إلى تحالف مبني على رؤية تنموية واضحة للجهة. صحيح أن الأغلبية العددية كانت كافية لضمان تمرير النقط المدرجة في جدول الأعمال، لكن ما جرى داخل دورة مارس أظهر أن القوة الرقمية وحدها لا تصنع انسجامًا سياسيًا.

في بداية الجلسة، مرت الأمور بشكل عادي، وتمت المصادقة على عدد من النقاط بسلاسة. غير أن نقطة تعيين ممثلي الجهة في مجموعة الجماعات التعاضدية المكلفة بتدبير مقبرة الإحسان كانت كافية لإخراج التوترات الكامنة إلى السطح. وهنا برز الخلاف الحقيقي: هل تُدار التمثيليات داخل الأغلبية بمنطق التوازن السياسي بين مكوناتها، أم بمنطق الأغلبية العددية الصرف؟

حزب الاستقلال اعتبر أن ثقله داخل المجلس يمنحه حقًا سياسيًا في الحصول على مقعد على الأقل، بينما تمسك الحزبان الآخران بمنطق الأرقام، واعتبرا أن المقعدين يجب أن يذهبا لمن يملك الأغلبية العددية. في الظاهر، يبدو الخلاف تقنيًا ومحدودًا، لكنه في العمق يعكس سؤالًا أكبر: من يملك القرار داخل التحالف؟ ومن يحدد قواعد توزيع النفوذ؟

من خلاف إجرائي إلى مشهد فوضوي

سرعان ما انتقل الخلاف من النقاش السياسي إلى التوتر الإجرائي، بعدما أصر فريق على اعتماد التصويت السري، في حين تمسك آخرون بالتصويت العلني. وحتى بعد تدخل الكاتب العام للولاية لتوضيح المقتضى القانوني، لم تهدأ الأجواء، بل زاد الاحتقان. ارتفعت الأصوات، وتبادل المستشارون الاتهامات، وكادت لحظة الانفجار أن تقع لولا تدخل بعض الحاضرين لاحتواء الموقف.

هذا المشهد لا يمكن اعتباره مجرد انفعال لحظي. فحين تتحول جلسة مؤسسة جهوية يفترض أن تناقش قضايا الملايين إلى ساحة صراخ بسبب مقعدين، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن تكون قاسية: الأولويات الحقيقية ليست دائمًا في صدارة الاهتمام، والصراع على المواقع قد يتقدم على النقاش في السياسات العمومية.

ومع اقتراب نهاية المدة القانونية للجلسة، انفجر خلاف جديد حول ما إذا كان يمكن مواصلة التصويت أم لا. فريق اعتبر أن الجلسة انتهت بقوة القانون، وفريق آخر رأى أن الإجراءات بدأت ويجب استكمالها. وهكذا امتد الصراع من السياسة إلى القانون، ومن التمثيلية إلى المسطرة، لينتهي برفع الجلسة مع إبقائها مفتوحة إلى موعد لاحق، لكن بعد أن تركت وراءها أغلبية جهوية متصدعة ومعنى سياسيًا ثقيلًا.

المقاطعة الرمضانية: حين تنتقل الأزمة من المؤسسة إلى الرمزية

ما زاد المشهد دلالة هو أن الخلاف لم يبقَ داخل جدران المجلس، بل امتد إلى المجال الرمزي والاجتماعي، بعد قرار مقاطعة إفطار جماعي دعت إليه عمدة الدار البيضاء، ثم توسيع المقاطعة إلى نشاط آخر مرتبط بفريق الحزب. وفي سياق شهر رمضان، حيث يحمل الإفطار الجماعي بُعدًا اجتماعيًا وأخلاقيًا يتجاوز البروتوكول، فإن هذه الخطوة تُقرأ كإشارة إلى أن القطيعة السياسية بلغت مستوى أعمق من مجرد خلاف ظرفي.

فالمسألة لم تعد فقط نزاعًا حول نقطة في جدول أعمال دورة عادية، بل تحولت إلى أزمة ثقة بين مكونات كان يفترض أنها تشكل أغلبية منسجمة قادرة على تدبير شؤون الجهة. وعندما تنتقل الأزمة من التصويت داخل القاعة إلى المقاطعة خارجها، فهذا يعني أن الشرخ لم يعد تقنيًا، بل صار سياسيًا ورمزيًا.

ما الذي يكشفه هذا الصراع؟

الواقعة، رغم طابعها المحلي، تكشف عن إشكال أوسع في تدبير الشأن الجهوي والمحلي. فالكثير من التحالفات تُبنى على منطق اقتسام المواقع أكثر مما تُبنى على منطق البرنامج المشترك. وحين يغيب المشروع الجامع، يصبح أي ملف — مهما بدا صغيرًا — قابلاً لأن يفجر التناقضات المؤجلة.

ثم إن هذا النوع من الصراع يطرح سؤالًا مؤرقًا حول ترتيب الأولويات. فالمقابر، بلا شك، مرفق عمومي مهم ويستحق تدبيرًا مسؤولًا ومحترمًا. لكن تحويل ملف من هذا النوع إلى معركة سياسية مفتوحة، في جهة تعيش تحديات كبرى في الماء والنقل والتفاوتات المجالية والبنيات الأساسية، يكشف خللًا في منطق الاشتغال نفسه. كأن السياسة المحلية أصبحت، في بعض لحظاتها، أكثر اهتمامًا بمن يدير المواقع من اهتمامها بما يُنجز داخل هذه المواقع.

أين هموم المواطنين في كل هذا؟

السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية بسيط ومباشر: إذا كانت كل هذه الطاقة تُستهلك في الصراع على التمثيليات، فمن سينشغل فعليًا بملفات المواطنين؟

من سيتابع أزمة الماء؟
من سيدفع نحو حلول عملية للنقل الحضري؟
من سيترافع عن البنيات الصحية والتعليمية؟
ومن سيضع رؤية متوازنة للتنمية داخل جهة بحجم الدار البيضاء-سطات؟

إن أخطر ما في هذا النوع من الوقائع ليس فقط صورة الفوضى التي تخرج بها الجلسات إلى الرأي العام، بل الأثر الذي تتركه على ثقة الناس في المؤسسات المنتخبة. لأن المواطن حين يرى الصراع يحتدم حول المقاعد، بينما تتأخر الحلول في القضايا الأساسية، يشعر أن السياسة تنشغل عنه أكثر مما تنشغل به.

خاتمة

ما وقع في دورة مارس 2026 بمجلس جهة الدار البيضاء-سطات ليس مجرد حادث عرضي داخل جلسة عادية، بل علامة على أزمة أعمق: أزمة تحالفات بلا أرضية صلبة، وأزمة أولويات، وأزمة تدبير سياسي يخلط بين النفوذ والخدمة العمومية.

لقد تحولت “مقبرة الإحسان” في لحظة واحدة من مرفق عمومي إلى رمز سياسي كاشف. لا لأنها أصل الأزمة، بل لأنها فضحت ما كان مخفيًا داخل التوازنات الهشة. وبينما انشغل بعض المنتخبين بمن يدير مقاعد داخل هيئة مرتبطة بالمقبرة، بقي سؤال التنمية معلقًا، ينتظر من يعيده إلى صدارة النقاش.

فحين تُدار السياسة بمنطق الصراع على المواقع، تموت الثقة أولًا… ثم تتأجل التنمية.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى